د. اسامة المجالي
عمان - أقيم في رابطة الكتاب الأردنيين باللويبدة حفل تأبين المرحوم الشاعر طارق مكاوي الذي غادرنا إلى رحمة الله بعد صراع طويل مع المرض .
افتتح الدكتور أسامة المجالي الكاتب والقاص الأردني عضو الرابطة الحفل بعبارة " رحل صاحب كلمات
لم يكن كافياً حبنا
لم يكن كافياً كل هذا التراب
لم يكن كافياً وقتنا
لأضمّد عتمة ضوئي كي يسقسق عطر الهديل بذاكرتي " .
عندما يموت امرؤ ما يبكيه أصدقاءه وأحبابه أما عندما يموت شاعر فإن العالم كله يبكيه " كما تقول الأغنية الفرنسية ، ذلك أن الشاعر هو من يعطي الأشياء رونقها وبهائها ، سواء الحزن أو الفقد أم الهزيمة ، الشاعر يغلفها بالجمال والسحر ويفتح أبواب اللغة نحو عوالم الدهشة والمهرجان ، وطارق - رحمه الله - من المؤكد أنه واحد من هؤلاء الشعراء الذين طالما لوّنوا حياتنا بالسعادة والحب على مدار عمره القصير .
حضر الحفل لفيف من أصدقاءه ومحبيه وأفراد عائلته الذين تم تقديم درع الرابطة التكريمي لهم من قبل عضو الهيئة الادارية لرابطة الكتاب الأستاذ علي الشوبكي احتفاء بالفقيد المرحوم طارق مكاوي وشعره وتراثه والأثر الجميل الذي تركه لنا وبيننا .
كما تحدّث في المناسبة صديقه الشاعر غازي الذيبة الذي بدأ كلامه بالقول " ها أنذا أقف لأراك بعد أكثر من أربعين عاماً قطعته غربتان ، الأولى غربتي التي ذهبتُ إليها بعد أن نهشتني غربان البطالة ، والثانية ، غربتكَ بعد أن تكدست أحلامنا في التيه فاقتنصتنا المرارة .
أنا الآن مختنق حين أفتح الألبوم لأستعيد نحولك وحزنك وضراوتك في الدفاع عن قصائدنا المجنونة والمجبولة بالألم والحب والغضب "
أما زميله وصديقه د.حيدر البستنجي الطبيب والشاعر والكاتب عضو الرابطة فقد قال :
" مرّ طارق مكاوي بيننا معبئاً بالشعر والحب ، فقد قال في أحد نصوصه ؛
ما كان الفتى شجراً كي يموت واقفاً
كان أرقّ من ذلك ، ثم تلا ؛
ناديت دهرك ، ما كان الفتى شجراً
يا طارق الشعر إذ غصّت ثناياه
قد غاب صوتك ، لكن في ضمائرنا
صدىً لما قلت ، لا تفنى حناياه
فالمرء يمضي وتبقى بعده سيرٌ
والشعر حيٌّ وفي الأرواح نجواه ."
وتبعته الكاتبة والروائية هيا صالح فقالت :
" لن أرثي طارق اليوم ، ولا أملك الكلمات المناسبة ، إذ كيف للكلمات أن تؤبِّن رجلاً عاش عمره وهو يؤمن أن اللغة بيته الذي يسكنه ، ونافذته التي يطل منها على العالم ، ويده التي تمتد للآخرين كلما ضاقت بهم الحياة .
كانت عمان بالنسبة له قصيدة مفتوحة وكان يعرف كيف يصغي إلى نبضها ، وكيف يعثر في زحامها على كلماتٍ تستحق أن تكون قصيدة .
كان يقاوم بكتابته النسيان ، وكان يريد في أحد مشاريعه أن يمنح الذين عاشوا النكبة الفلسطينية حياة أخرى داخل كتاب ، وكم يؤلمني اليوم أنه رحل قبل أن يرى هذا الحلم مكتملاً ."
أما حليمة الدرباشي الكاتبة والقاصة عضو الرابطة فقالت :
" لن اتحدث عن طارق الشاعر فكلنا نعرفه ، وهو يعرفنا كلنا ، بل سأذهب إلى الإنسان الذي فيه ، إلى الإنسان الذي يعرف كيف يصطاد البهجة من بين كل هذا الحطام ، من أين لك يا طارق كل هذه المهارة والقدرة على الحلم ، فأحلامك الكبيرة كانت توجعني وحماسك الهادر للعيش كان يلجم فمي عن ال الأحاديث المؤلمة والكئيبة عن هذا العالم والواقع المريرين .
رحلت يا طارق تاركاً خلفك القصائد تمور رغم الأسى والخيبات ، عشت عمر الأعمار محارباً ورحلت محارباً ، حاضراً وباق في الوجدان "
ولم يتأخر صديقه أحمد أبو صبيح الكاتب والروائي وعضو الرابطة ليقول :
" لو كان طارق يقف أمامكم بدلاً مني لكان أجاد القول ، فهو أفصح قولاً وأعمق معنى بشعره العميق الواسع الأفق ، فطارق - رحمه الله - لم يكن صديق مرحلة بل رفيق عمر ، ضحكنا معاً وبكينا معاً ، لطالما تقاسمنا الطعام والطرقات وأزقة عمّان وشوارعها الضيّقة .
في آخر لقاءاتي به في المستشفى ذكرنا الأماكن التي طالما جلناها معاً واحداً واحداً ، مطعم القاهرة وسط البلد ، سندويتشات فؤاد ، مقهى جفرا والرابطة ، لم أكن أعلم أنه يودعها شبراً شبراً بينما كنت أمسك بيده للمرة الأخيرة .
رحل الرجل النبيل صاحب السيجارة التي لم تشتعل أبداً وكأنه يكمل سخريته من التدخين وسائر الأشياء التي يحياها تماماً على عادته دائماً وأبداً. "
