بقلم محمد النجار
هل ما نراه اليوم من موجة العودة إلى صور الثمانينات هو داء النوستالجيا، أي الحنين إلى الماضي؟ أم أنه مجرد تقليد أعمى لترند اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي؟
لنتفق أولًا على حقيقة قد تجمعنا جميعًا: تميل الذاكرة، مع مرور الزمن، إلى طرد صور الشقاء والمعاناة، والإبقاء على ما كان في الماضي من دفء وفرح وألفة. لذلك، حين نتذكر طفولتنا وشبابنا، قد ننسى ضيق العيش وبساطة الإمكانات، ونستعيد بدلًا منهما رائحة البيوت القديمة، وصوت الجيران، ولمّة العائلة، ووجوه الذين غابوا.
لكن هل يكفي ذلك لتجتاحنا موجة ترند الثمانينات، فنبحث عن صورنا القديمة، ونستعيد ملابسنا وقصات شعرنا وشوارعنا وألعابنا؟ ربما لا.
فقد ذهب بعضهم أبعد من مجرد المشاركة في ترند عابر؛ أخذ ينبش في الماضي عن صورة الحياة الجميلة، ويتحدث عن ذلك الزمن برومانسية تكاد تجعلنا نرى دمعة صاحب المنشور بين السطور.
وهنا يطرق السؤال الأهم: لماذا كل هذا الحنين؟
ربما لأننا لا نشتاق إلى الثمانينات بقدر ما نشتاق إلى الإنسان الذي كنّاه فيها.
فالتسونامي التكنولوجي الذي اجتاح حياتنا خلال العقود الثلاثة الماضية لم يغيّر أدواتنا فحسب، بل غيّر طريقة عيشنا وتواصلنا، وحتى مفهومنا للعلاقات. أحيانًا أشعر أننا لم نعش ثلاثين أو أربعين عامًا فقط، بل قرنين من الزمان في بضعة عقود.
في ذلك الزمن، كان التواصل يحتاج إلى اللقاء. كانت الزيارة قد تأتي بلا موعد، وكان الجار يعرف جاره، والقريب يعرف أخبار قريبه، وكانت جلسة واحدة تجمع العائلة أكثر مما تجمعها اليوم عشرات مجموعات التواصل. وكان الأطفال يخرجون إلى الحارة ليلعبوا، لا إلى شاشة ليتواصلوا مع أصدقاء لا يعرفون أين يسكنون.
حتى التلفزيون كان له طقس خاص: برنامج واحد ينتظره الجميع، ومسلسل يجتمع حوله أفراد الأسرة، ومباراة تجعل الحي كله يتحدث عنها في اليوم التالي.
وكانت المناسبات الاجتماعية أكثر حضورًا في حياتنا: الأعراس، والزيارات، والجلسات العائلية، وديوان الحي، وحتى الدكان الصغير الذي يعرف صاحبه الناس بأسمائهم وأخبارهم.
لا يعني هذا أننا كنا نعيش في الفردوس، أو أن كل ما مضى كان جميلًا. كانت هناك صعوبات وفقر وشقاء وقلق، وكانت الحياة أقل سهولة بكثير مما هي عليه اليوم.
لكن الفرق أن بساطة الحياة لم تكن بالضرورة تعني فقر العلاقات.
أما اليوم، فقد منحنا الهاتف الذكي كل شيء تقريبًا: المعرفة، والتسوق، والترفيه، والعمل، والتواصل. درست الاقتصاد، وتعلمت فيه مفهومًا ظل يرافقني كلما تأملت أثر الهاتف الذكي في حياتنا: تكلفة الفرصة البديلة؛ أي إن لكل شيء ثمنًا، حتى لو لم ندفعه بالمال. فكل دقيقة نقضيها خلف الشاشة قد تكون على حساب جلسة حقيقية، أو حديث صادق، أو لحظة حضور مع من نحب. لقد منحنا الهاتف الذكي أدوات لا حصر لها، لكنه ربما جعلنا ندفع ثمنًا خفيًا من وقتنا وانتباهنا وحضورنا الإنساني.
صرنا نجلس إلى بعضنا، وكل واحد منا يعيش في عالم آخر داخل شاشة صغيرة.
وهنا لا أريد أن أبدو كأنني ضد الحداثة؛ فأنا أؤمن بأن التكنولوجيا من أعظم إنجازات الإنسان، ولا يمكننا العودة إلى الوراء حتى لو أردنا.
لكن المشكلة أننا ربما أخذنا من الحداثة جانبها الاستهلاكي، واعتقدنا أن الراحة تعني بالضرورة السعادة، وأن كثرة وسائل التواصل تعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر تواصلًا.
وهذا هو التناقض الجميل والمؤلم في آن:
لدينا اليوم وسائل أكثر للتواصل، لكننا نشتاق إلى زمن كان الناس فيه أكثر تواصلًا.
لذلك، ربما لا يكون ترند الثمانينات مجرد تقليد أعمى لموجة عابرة، ولا مجرد حنين إلى ملابس أو صور قديمة.
ربما هو محاولة لا واعية للبحث عن شيء فقدناه في الطريق.
نحن لا نريد بالضرورة أن تعود الثمانينات بكل ما فيها، ولا أن نستبدل الهاتف الذكي بالهاتف الأرضي، أو الإنترنت برسائل الورق.
كل ما نريده ربما هو أن نستعيد شيئًا من روح ذلك الزمن: دفء العلاقات، وصدق الزيارة، ووقت العائلة، وجيرة الناس، وضحكة الأطفال في الحارات، وأن يكون الإنسان حاضرًا مع من أمامه، لا مجرد جسد يجلس بينهم بينما روحه معلّقة خلف شاشة.
ولهذا، فإن ما يسميه البعض «جيل الطيبين» قد لا يكون وصفًا لجيل كان أفضل من غيره بالضرورة، بقدر ما هو تعبير عن إنسان يحن إلى زمن كانت فيه الحياة أقل سرعة، والعلاقات أقل تعقيدًا، والناس أقرب إلى بعضهم.
ربما لسنا حنينًا إلى الثمانينات…
ربما نحن حنينٌ إلى أنفسنا حين كانت الحياة لا تزال تعرف كيف تجمعنا.
