تتعالى اصوات المطبخ المفتوح في بلدة عين الترك الساحلية بوهران، حيث تمتزج حركة الطهاة بعبق البحر الابيض المتوسط لتصنع طبقا يحمل في طياته تاريخا طويلا من التبادل الثقافي، وتعد البايلا هنا اكثر من مجرد وجبة عابرة، فهي طقس يومي يستحضر قرونا من التداخل بين الضفتين، متوجة بثروة بحرية غنية يجود بها الساحل الجزائري.

وتكشف المشاهد الميدانية عن حركة دؤوبة خلف واجهات المطاعم، حيث يتم تحضير البايلا بلمسات فنية تعكس عمق الهوية الطهوية المحلية، وتظهر في الاطباق الوان الجمبري والمحار وقطع الكلامار وذراع الاخطبوط التي تزين المقالي الضخمة، لتتحول الوجبة الى لوحة فنية تشهد على حقبة تاريخية امتدت لثلاثة قرون حين كانت قلعة سانتا كروز تطل على المدينة من قمة جبل مرجاجو.

واكد الحرفي جمال الدين عباسي، المعروف بلقب الرايس، انه ورث هذه المهنة عن الاجداد والاباء، واضاف مبينا انه يسعى ليكون سفيرا لهذا الطبق في مختلف الولايات، موضحا ان رحلته بدأت من خارج الوطن ثم قرر العودة للاستثمار في بلاده، حيث حققت البايلا الوهرانية نجاحا لافتا واصبحت مقصدا يطلبه الزوار من داخل وخارج البلاد.

سر النكهة والتميز في المطبخ الوهراني

واوضح الرايس جمال الدين ان طريقته في الطهي تختلف جذريا عن الاصل الاسباني، مشددا على ان السر يكمن في طهي الارز مباشرة داخل المرق والصوص، واضاف ان هذه التقنية تجعل الارز يتشرب كافة النكهات البحرية بعمق، مبينا ان خبرته التي تمتد لسبعة وعشرين عاما هي الركيزة الاساسية التي تمنح الطبق مذاقه الفريد الذي يجذب الزبائن من كل مكان.

وبين ان الجودة هي المعيار الاول في عمله، واكد ان التركيز على المكونات الطازجة والنظافة هما سر الاستمرارية، واضاف موضحا ان العمل يدا بيد مع افراد العائلة يضفي لمسة خاصة على الخدمة، مشيرا الى ان الزبائن يقدرون هذا التفاني في تقديم وجبة متكاملة العناصر تليق بسمعة مدينة الباهية.

واضاف الرايس ان الهدف من مطعمه هو جعل البايلا متاحة للجميع، موضحا ان الطبق كان في السابق يصنف ضمن المأكولات الفاخرة، واكد ان سياسة المكان تعتمد على كسر هذا التمييز لتمكين الفقير والغني من تذوق خيرات البحر، مبينا ان الاقبال الكبير من العائلات والعمال والسياح يثبت نجاح هذه الفلسفة الشعبية.

البايلا كوجهة سياحية وذاكرة للتذوق

وكشف العديد من الزوار، ومن بينهم مغتربون جزائريون، عن ارتباطهم الوثيق بهذا المطعم، واضاف طبيب قلب مقيم في فرنسا ان زياراته المتكررة لوهران ترتبط بشكل اساسي برغبته في تذوق البايلا التي يعدها جمال الدين، مبينا ان الجودة والخدمة المتميزة تعكس حرفية عالية تضاهي المطاعم العالمية.

واظهرت انطباعات الزوار ان البايلا الوهرانية اصبحت عنصرا حيويا في سياحة التذوق، واضاف ان الجالية الجزائرية تحرص على استعادة ذكريات النكهات المحلية، مبينا ان التوابل الشرقية مثل راس الحانوت والكمون تضفي بصمة جزائرية تميز الطبق عن نظيره الاسباني، مما يعزز مكانة وهران كوجهة سياحية رائدة.

واكدت الدراسات الانثروبولوجية ان هذا الطبق يمثل نموذجا حيا للتلاقح الثقافي، واضاف الخبراء ان المطبخ الوهراني نجح في تطويع الوصفات المتوسطية بخصوصية محلية، موضحين ان تنامي الاهتمام بالسياحة الثقافية جعل من زيارة المطاعم التاريخية والازقة القديمة مثل سيدي الهواري تجربة متكاملة تلخص تاريخا كاملا من التفاعل بين شعوب ضفتي البحر الابيض المتوسط.