نانسي السيوري

 

لم تكن المشكلة في الغارات وحدها، بل في الرواية التي أحاطت بها. فحين يعلن الجيش الأردني أن عملية عسكرية داخل الأراضي السورية نُفّذت بالتنسيق مع دمشق، ثم تخرج الأخيرة لتنفي حصول التنسيق المسبق، فإن المسألة تتجاوز اختلاف التصريحات إلى سؤال سياسي بالغ الخطورة: من يقول الحقيقة، ولماذا تتعارض الروايتان بشأن قرار بهذا الحجم؟
في القضايا الأمنية، لا تُقال الكلمات عبثًا، ولا سيما حين تصدر عن مؤسسات رسمية تدرك أن لكل عبارة وزنها ولكل إعلان تبعاته. لذلك، فإن وصف العملية بأنها نُفّذت بالتنسيق مع الحكومة السورية ليس تفصيلًا لغويًا يمكن تجاوزه، كما أن نفي دمشق لا يُنهي الجدل، بل يوسّعه ويفتح الباب أمام تساؤلات لا يجوز إغلاقها ببيانات مقتضبة.
فالمسألة ليست مَن قصف فحسب، بل ماذا جرى قبل القصف، ومَن كان على علم به، ومَن يتحمل مسؤولية نتائجه؟
التنسيق الذي لا ينسجم مع روايتين... 
العلاقة الأمنية بين الأردن وسوريا ليست وليدة هذه الغارات، بل فرضتها طبيعة الحدود المشتركة، وتداخل التهديدات، وملفات الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح. وقد شهدت السنوات الأخيرة مسارات للتعاون الأمني بين البلدين، ما يجعل الحديث عن التنسيق في هذه القضية أمرًا يستحق التوضيح، لا الاكتفاء بالتأكيد أو النفي.
لكن وجود قنوات تعاون لا يثبت، وحده، أن عملية بعينها نُسّقت مسبقًا. وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط السجال: إذا كانت عمّان تؤكد التنسيق، ودمشق تنفي حصوله قبل الضربات، فلا بد من تفسير هذا التناقض على أساس الوقائع، لا على أساس التخمين.
ما طبيعة التنسيق الذي تحدث عنه الأردن؟ وهل كان مسبقًا ومحددًا، أم اقتصر على اتصالات أو ترتيبات أخرى؟ وإذا لم تكن دمشق على علم بالعملية، فما الأساس الذي استند إليه الإعلان الأردني حين نسبها إلى تنسيق مع حكومتها؟
أسئلة مباشرة، وإجاباتها ليست ترفًا سياسيًا؛ لأنها تتصل بأمن الحدود، وبالعلاقة بين دولتين، وبحياة مدنيين سقطوا في منطقة لم تكن يومًا بمنأى عن اضطرابات الإقليم.
عمّان لا تحتاج إلى اختلاق رواية.... 
ثمة سؤال جوهري يغيب عن كثير من السجال: ما المصلحة التي قد تدفع الأردن إلى إعلان تنسيق عسكري مع دمشق إن لم يكن هذا التنسيق قد حدث فعلًا؟
الأردن، الذي يتعامل مع أمن حدوده باعتباره مسألة سيادة وأمن وطني، ليس بحاجة إلى اختلاق رواية تُحمّله مسؤولية سياسية إضافية، ولا إلى الزجّ بعلاقته مع سوريا في خلاف دبلوماسي لا يخدم مصالحه. فالإعلان عن التنسيق ليس مكسبًا مجانيًا؛ إذ يضع عمّان أمام تبعات سياسية وأسئلة مشروعة عن طبيعة العملية ونتائجها، ويجعلها طرفًا في نقاش لا يمكن إنهاؤه بمجرد صدور بيان.
إن إعلان الجيش الأردني أن العملية نُفّذت بالتنسيق مع الجانب السوري تصريح رسمي واضح يستحق أن يؤخذ بجدية، وأن يُناقش على أساس مضمونه، لا أن يُقابل بالنفي المجرد. فالأصل في مثل هذه القضايا أن تُفسَّر التصريحات الرسمية بالأدلة والوقائع، لا أن يُفترض أن دولة اختارت إعلان موقف أمني بهذا الوضوح من دون أساس.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين: أن نقول إن الأردن لا تبدو له مصلحة واضحة في اختلاق ادعاء كهذا، وأن نجزم بأن التنسيق قد حدث بالفعل. الأول استنتاج سياسي يستند إلى حسابات المصالح، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة تفصل في طبيعة الاتصالات وما جرى قبل العملية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا: إذا كانت عمّان قد أعلنت التنسيق صراحة، فما الذي يدفعها إلى المجازفة بمصداقيتها وعلاقاتها الإقليمية عبر تصريح كهذا من دون مسوّغ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تُغني عن الدليل، لكنها تجعل مطالبة دمشق بتوضيح روايتها أمرًا لا يمكن تجاوزه.
فالأردن لا يحتاج إلى اختلاق بطولة، ولا إلى صناعة مبررات لحماية أمنه؛ وما يحتاج إليه هو أن تُفهم روايته في ضوء الوقائع، وأن يُحسم التناقض مع الرواية السورية بالأدلة، لا بمجرد النفي.
حين يصبح النفي عبئًا لا إجابة.... 
في الأزمات، لا تُقاس قوة الموقف بحدة البيان، بل بقدرته على تبديد الشكوك. والنفي الذي لا يرافقه توضيح كافٍ قد يوقف جملة من الاتهامات مؤقتًا، لكنه لا ينهي السؤال الذي أنتجها.
إذا كانت دمشق تنفي التنسيق المسبق، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف قرأت إعلان عمّان، وما حقيقة الاتصالات التي سبقت العملية أو رافقتها، وما الذي جرى على الأرض. وإذا كانت هناك تفاهمات أمنية قائمة، فمن الضروري التمييز بين التعاون العام والموافقة على عملية عسكرية محددة؛ فالأمران ليسا شيئًا واحدًا، ولا يجوز الخلط بينهما لتثبيت رواية أو إسقاط أخرى.
أما تحويل الخلاف إلى مواجهة إعلامية، فلن يخدم الأردن ولا سوريا. فالدول التي تواجه تهديدات مشتركة لا تستطيع أن تجعل أمنها رهينة بيانات متعارضة، ولا أن تترك الأسئلة الجوهرية معلّقة حتى تتآكل الثقة بين مؤسساتها.
سبعة قتلى لا يجوز أن يضيعوا بين الروايات.... 
لكن الأخطر من التناقض السياسي هو ما أُعلن عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال وامرأة. هنا تتوقف اللغة عن كونها مجرد أداة للمناكفة، ويصبح كل تصريح اختبارًا للمسؤولية.
لا يكفي القول إن الأهداف كانت إرهابية لحسم الجدل بشأن نتائج العملية، كما لا يكفي سقوط مدنيين وحده لإصدار حكم نهائي على جميع ملابساتها. المطلوب هو تحقيق جاد يحدد طبيعة المواقع المستهدفة، والمعلومات التي استندت إليها العملية، والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين، والمسؤولية عن أي إخفاق يثبته التحقيق.
إن دماء الضحايا ليست مادةً لتصفية الحسابات السياسية، وليست تفصيلًا يمكن تجاوزه بحجة مكافحة الإرهاب. فمواجهة الجماعات المتطرفة واجب أمني، لكن حماية الأبرياء مسؤولية لا تقل أهمية عنه.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع هو: إذا كان الهدف حماية الناس من الإرهاب، فكيف تُكشف الحقيقة كاملة بشأن المدنيين الذين سقطوا؟ ومن يملك المعلومات اللازمة للإجابة، وكيف يمكن ضمان ألا تتحول هذه الحادثة إلى سابقة تتكرر فيها الخلافات على حساب الحقيقة؟
لا شراكة أمنية بلا وضوح... 
لا يحتاج الأردن إلى مجاملة سياسية على حساب أمنه، ولا تحتاج سوريا إلى بيانات تترك الوقائع غارقة في الالتباس. ما يحتاجه البلدان هو تنسيق واضح، ومسؤوليات محددة، وقنوات اتصال تمنع تضارب الروايات قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية.
فالتنسيق الأمني ليس عبارة تُستحضر عندما تخدم الموقف، ثم يُعاد تعريفها عندما تصبح نتائج العملية موضع مساءلة. وإذا ثبت وجود اتفاق أو تنسيق مسبق، فلا بد من توضيح حدوده وما ترتب عليه. وإذا ثبت عدم وجوده، فعلى الجهات المعنية تفسير التناقض في التصريحات، وتحديد كيفية إدارة عملية بهذا الحجم قرب الحدود المشتركة.
أما ترك المسألة معلّقة، فهو أسوأ الخيارات؛ لأنه يفتح المجال أمام الشكوك، ويضعف الثقة، ويمنح الأطراف المتربصة فرصة لاستثمار الخلاف بين بلدين لا مصلحة لهما في تحويل الحدود إلى ساحة جديدة للصراع.
الحقيقة ليست تفصيلًا دبلوماسيًا.... 
ليست القضية مفاضلة عاطفية بين رواية أردنية وأخرى سورية، ولا سباقًا لإثبات مَن يمتلك البيان الأقوى. القضية أن إعلانًا رسميًا تحدث عن التنسيق، ونفيًا رسميًا شكك في حصوله مسبقًا، وضحايا مدنيين يستحقون أن تُكشف ملابسات سقوطهم بعيدًا عن الحسابات السياسية.
إذا كانت هناك حقائق تثبت التنسيق، فمكانها في توضيح مسؤول يستند إلى الأدلة. وإذا لم يكن التنسيق قد جرى، فلا بد من تفسير ما أُعلن بشأنه. وفي الحالتين، لا يجوز أن يبقى التناقض بلا إجابة، ولا أن يتحول المدنيون إلى هامش في معركة الروايات.

فالدول لا تخسر مصداقيتها لأنها تواجه أسئلة صعبة، بل حين تترك الأسئلة بلا إجابات. ولا تُصان السيادة بالشعارات، بل بوضوح القرار، وتحمل المسؤولية، واحترام الحقيقة.
وبين الكرك ودرعا، لا يكفي أن تتفق الدول على مواجهة الإرهاب؛ عليها أيضًا أن تتفق على أن الحقيقة ليست عبئًا ينبغي الهروب منه، وأن دماء المدنيين ليست ثمنًا يمكن تجاهله، وأن الأمن الذي لا تسنده الشفافية يظل ناقصًا مهما ارتفعت لغة البيانات.