عمر شاهين
ليس هذا دفاعًا عن شخص وزير الأوقاف أو مدير الأوقاف الذي صدر عنه كتاب إغلاق المساجد بعد صلاة العشاء، وإنما هي شهادة شخصية من واقع ارتيادي للمسجد، ورأي في قرار أراه حقًا إداريًا لا يتعارض مع الدين، ويراعي مصالح الموظفين، كالإمام والمؤذن.
وبمعرفتي بأجر انتظار الصلاة، ففي الحديث الشريف: «لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم ينصرف».
أما ما يُستحب بعد الصلاة، فهو الاستغفار والتسبيح.
بل نجد قول الله تعالى عن صلاة الجمعة، وهي من أهم صلوات الجماعة:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وبصفتي إنسانًا يصلي في المسجد، أحببت أن أدلي بشهادتي، طاعةً لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وكما يُقال: «الساكت عن الحق شيطان أخرس». وأنا كثيرًا ما أتصدى للفكر الشعبوي، أو ما يُثار من إشاعات وأفكار منتشرة بين الناس، يخشاها البعض، وتكون مخالفة للحقيقة.
وبفضل الله سبحانه وتعالى، أحرص تحديدًا على أداء صلاتَي المغرب والعشاء في المسجد، أما بقية الصلوات فلا ألتزم بها تمامًا في المسجد، لكنني مطّلع على المشهد العام.
والذي أريد تأكيده هو أن الدروس الدينية في معظم المساجد قليلة جدًا، وإن كانت أفضل أوقاتها بعد صلاتَي العصر والمغرب.
وما أراه دائمًا أن أغلب المساجد لا تتجاوز فيها أعداد المصلين الصف الثاني أو الثالث، إلا في صلوات الجمعة والتراويح والأعياد. وبمجرد أن يسلّم الإمام، سواء في صلاة الجمعة أو في الصلوات العادية، يغادر أغلب المصلين المسجد بعد أداء صلاة السنة.
النقطة الثانية، وهي في غاية الأهمية، أن معظم المحاضرات والدروس، سواء التي يقدمها رجال الدعوة أو تلك التي كان يقدمها، على سبيل المثال، مدير الإفتاء في الزرقاء، وكانت دروسًا قيّمة جدًا، تُعقد ما بين المغرب والعشاء. وهذا في رأيي أفضل الأوقات، وهناك أيضًا دروس تُعقد بعد العصر؛ لأنها تتناسب مع أوقات الناس.
أما عن إغلاق المسجد بعد صلاة العشاء، فلو أردت أن أضرب مثالًا بفترة الصيف، فإن صلاة العشاء تنتهي قرابة الساعة 9:45 مساءً، بينما تكون صلاة الفجر في اليوم التالي قرابة الساعة الثالثة أو الثالثة والنصف صباحًا. وهذا يعني أن الناس يغادرون المسجد لقضاء حوائجهم والعودة إلى بيوتهم. ومن حق الإمام أن يحظى بفترة راحة وساعات كافية من النوم.
كما أريد أن أنبّه إلى ملاحظة مهمة، وهي أن كثيرًا من الناس يصلون السنة والوتر في بيوتهم، وهذا أمر جائز شرعًا، بل ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة».
لذلك، لا أرى أن القرار يشكّل إزعاجًا للمصلين، فبعد صلاة العشاء تحديدًا، كما هو الحال بعد صلاة الفجر، يغادر معظم الناس المسجد. ومن يبقى فيه عادةً، وفق ما ألاحظه على مدى أربعين عامًا، وليس أربعة أيام فقط، هم في الغالب رجال يحبون قراءة القرآن، وخاصة بعد صلاة الفجر حتى شروق الشمس، لا سيما في أيام شهر رمضان.
ومنهم أيضًا من يبقى جالسًا في المسجد ما بين المغرب والعشاء، يقرأ القرآن وينتظر صلاة العشاء؛ لأن هذه الفترة تكون في العادة قصيرة جدًا، فيتكاسل كثير من الناس، خصوصًا الذين تبعد بيوتهم عن المسجد أو كبار السن، عن العودة إلى منازلهم ثم الرجوع مرة أخرى لأداء صلاة العشاء، فيستغلون هذا الوقت في قراءة القرآن أو الجلوس في المسجد.
ولم أجد أن الحكومة أو وزارة الأوقاف تمنع هذا الجلوس، خصوصًا أن مساجدنا ابتعدت كليًا عن أي عمل حزبي أو سياسي.
إن وزارة الأوقاف ليست بحاجة، في الأصل، إلى إصدار قرار بإغلاق المسجد بعد صلاة العشاء؛ لأن الناس يغادرون المسجد بطبيعتهم بعد هذه الصلاة. فالجميع يذهب إلى قضاء حوائجه أو يعود إلى بيته، وأنا واحد منهم؛ فقد أكون في السوق أو عائدًا إلى المنزل.
وكما قلت، فإن فترات الجلوس في المساجد تتركز غالبًا ما بين صلاة الفجر وشروق الشمس، وهي فترة محدودة، ثم ما بين المغرب والعشاء. لذلك لا أعرف سبب الضجة التي أُثيرت حول هذا القرار، علمًا بأن الكتاب صدر عن أحد مديري الأوقاف، وهو حق إداري له.
وهناك ملاحظة مهمة أخرى، وهي أن إمام المسجد يلتزم بأداء صلوات الفجر والمغرب والظهر والعشاء، وهذا يوجب مراعاة حق هذا الموظف في الراحة؛ فلا يُعقل أن يظل مرتبطًا بالمسجد منذ صلاة الفجر وحتى منتصف الليل، دون أن يكون له حق في الذهاب إلى منزله والنوم وقضاء الوقت مع زوجته وأولاده، أو الخروج لشراء احتياجاته من السوق.
لذلك، لا أجد في القرار ما يستدعي كل هذا الجدل، مع التأكيد أن الأحاديث النبوية واضحة في أفضلية صلاة المرء في بيته على النافلة، مع استثناء الصلوات المكتوبات.
هذه شهادة شخصية أحببت أن أكتبها في خضم الجدل الذي أُثير حول الموضوع، وأمثل فيها نفسي لا غير. فأنا لا أدافع عن وزارة الأوقاف، وإنما أتحدث بصفتي إنسانًا يصلي في المسجد، وأحببت أن أقدم شهادتي من واقع تجربتي ومشاهدتي.
(( إغلاق المساجد بعد العشاء )) …….. ماذا يقول واقع المصلين … وما هي الشعبويات والاشاعات من واقع الشريعة والدين
