كَفى.. للأردنِّ تاريخٌ من الترحابِ باللاجئينَ قابلهُ خذلانُ المجتمعِ الدوليِّ

قصةُ تصريحاتِ الرئيسِ الأمريكيِّ دونالد ترامب عن الأردنِ وفلسطينَ واللاجئينَ لم تكن مفاجئةً، بل هي سلسلةُ ضغوطٍ لن يكونَ الأردنُّ مضطراً لاحتمالِها. نعم، فرَدَ الأردنُّ صدرَهُ للاجئينَ مبكرًا، واقتسمَ معهم الأوجاعَ والأحلامَ قبلَ رغيفِ «الشراكِ»، فمنذُ العامِ 1948 والأردنُّ يتحمَّلُ منفردًا أعباءَ اللجوءِ، ولا أحدَ في المنطقةِ احتملَ ما احتملَهُ الأردنيُّ نتيجةَ استضافتِهِ للاجئينَ.
نُدركُ تماماً أنَّ تصريحاتَ ترامب تأتي ضمنَ رؤيةٍ منحازةٍ لطرفٍ واحدٍ، تتجاهلُ الحقائقَ التاريخيةَ والإنسانيةَ، وتتغاضى عن التضحياتِ التي قدَّمَها الأردنُّ في سبيلِ احتضانِ موجاتِ اللجوءِ المتعاقبةِ، وسطَ تراجُعٍ واضحٍ لدورِ المجتمعِ الدوليِّ في تحمُّلِ مسؤولياتِه.
حينَ نتحدثُ عن عمّانَ الرسميةِ وعلاقتِها باللجوءِ، علينا أن نشيرَ إلى أنَّ هناكَ تاريخًا ممتدًا من الاستضافةِ، وأرشيفًا طويلاً من الكُلفِ والتضحياتِ، بدأَها الأردنُّ منذُ نكبةِ العامِ 1948، فانتهَجَ سياسةَ فتحِ الأبوابِ والصدورِ أمامَ اللاجئينَ الفلسطينيينَ، لا بل إنه منحَ العديدَ منهمُ الجنسيةَ الأردنيةَ، وتسلَّمَ بعضُهم مفاتيحَ صنعِ القرارِ، في تأكيدٍ لا يقبلُ الشكَّ على موقفِهِ العروبيِّ والإنسانيِّ.
مَهلاً، لم تقفْ مواقفُ عمّانَ هناكَ، بل استمرَّ هذا النهجُ مع موجاتِ اللجوءِ المتتاليةِ من فلسطينَ، ثم من العراقِ وسوريا؛ ما شكَّلَ عبئًا هائلًا على مواردِهِ المحدودةِ، خاصةً في قطاعاتِ المياهِ والتعليمِ والصحةِ والبنيةِ التحتيةِ، لكنَّ المجتمعَ العالميَّ ظلَّ يصمُّ آذانَهُ عن كلِّ ذلكَ.
اليومَ، ومعَ انفجارِ قنبلةِ ترامب بوجهِ المنطقةِ، علينا التمسكَ بوحدتِنا وعروبتِنا، وعدمِ السماحِ لجرِّ أقدامِنا إلى الرمالِ المتحرِّكةِ وخلايا التأزيمِ.
إنَّ ضعفَ الدعمِ الدوليِّ وتراجعَ التزاماتِ الدولِ المانحةِ؛ أدَّيَا إلى تآكلِ قدرةِ الأردنِّ على تلبيةِ احتياجاتِ مواطنيهِ، خاصةً في ظلِّ شُحِّ المواردِ الطبيعيةِ، وأبرزُها المياهُ، حيثُ أصبحتِ المملكةُ من أكثرِ دولِ العالمِ معاناةً من أزمةِ المياهِ.
الضغوطُ السياسيةُ والاقتصاديةُ مستمرةٌ، لكنَّ الموقفَ الأردنيَّ ظلَّ واضحًا وحاسمًا: الأردنُّ هو الأردنُّ، وفلسطينُ هي فلسطينُ. وقد أكَّدَ جلالةُ الملكِ عبدالله الثاني هذا المبدأَ في العديدِ من المحافلِ الدوليةِ، مشدِّداً على أنَّ الأردنَّ لن يكونَ بديلاً عن فلسطينَ، وأنَّ حلَّ القضيةِ الفلسطينيةِ يجبُ أن يكونَ عبرَ إقامةِ دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ على حدودِ الرابعِ من حزيرانَ 1967، وعاصمتُها القدسُ الشرقيةُ.
بقيَ أن نقولَ، المطلوبُ اليومَ موقفٌ دوليٌّ حقيقيٌّ وملموسٌ، وليسَ مجردَ وعودٍ فارغةٍ، فالقضيةُ الفلسطينيةُ ليستْ مسؤوليةَ الأردنِّ وحدَهُ، والاستقرارُ في المنطقةِ لن يتحقَّقَ إلا عبرَ حلولٍ عادلةٍ، قائمةٍ على حقوقِ الشعوبِ، وليسَ على تصفيةِ القضايا المَصيريةِ من خلالِ الضغطِ على الدولِ المضيفةِ. ولا يمكنُ القبولُ بسياسةِ فرضِ الأمرِ الواقعِ، ولا يمكنُ للأردنِّ أن يقبلَ استمرارَ المجتمعِ الدوليِّ بالتخلِّي عن التزاماتِهِ.