لم يعد انتظار اصدار رواية جديدة لكاتب شهير حدثا عاديا يثير شغف القراء كما كان في السابق. ففي الماضي كان عشاق الادب يقفون في طوابير طويلة امام المكتبات للحصول على نسخة اصلية او موقعة من كاتبهم المفضل. واصبح المشهد اليوم مختلفا تماما بفعل التطور التقني الذي فرض واقعا جديدا يعتمد على النسخ الرقمية والملفات المسربة التي تتوفر بضغطة زر واحدة.
وكشفت التطورات الاخيرة عن ازمة خانقة تواجه صناعة الرواية العالمية بسبب دخول الذكاء الاصطناعي على خط الابداع الادبي. وبينت التقارير ان نماذج الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على صياغة قصص وروايات مشوقة في وقت قياسي دون الحاجة لكاتب بشري او حس ادبي مرهف. واوضحت ان السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو مدى قدرة هذه التقنية على تعويض روح الاديب ولمسته الانسانية في النصوص.
واكد الخبراء ان التحدي الحقيقي يكمن في غياب العمق النفسي في الروايات الاصطناعية التي تعتمد بالاساس على التنبؤ الاحصائي للكلمات. واضافوا ان هذه الاعمال تفتقر الى وحدة المصير التي تميز الابداع البشري النابع من تجارب حقيقية من الالم والفقد والامل.
كيف تتدرب الخوارزميات على سرقة الابداع؟
واوضحت الدراسات ان النماذج اللغوية الكبرى مثل جي بي تي لا تبدع من فراغ وانما تستهلك ملايين الكتب المحررة والمنشورة لتدريب خوارزمياتها. وبينت ان هذه الكتب تعتبر بمنزلة الجواهر الثمينة التي تغذي ذكاء الالة وتمنحها القدرة على محاكاة الاسلوب البشري بدقة عالية.
واشارت نقابة الكتاب الامريكيين في دعوى قضائية الى ان الشركات المطورة لهذه التقنيات تمارس نوعا من السرقة المنهجية على نطاق واسع عبر استخدام اعمال الادباء دون استئذان. واضافت ان هذه الخوارزميات بنيت اساسا على مستودعات قرصنة الكترونية تم تجريدها من حقوق الملكية الفكرية لاطعام ذكاء الالة.
وشدد الادباء المتضررون على ضرورة فرض تعويضات مالية ضخمة مقابل كل عمل تم استخدامه في تدريب هذه النماذج دون موافقة صريحة من اصحاب الحقوق الاصليين. وبينوا ان حماية حقوق الملكية الفكرية هي الضمان الوحيد لاستمرار الادب كصناعة ابداعية مستقلة.
فيضان الكتب الرقمية وتهديد السوق
واظهرت الاحصائيات ان منصات النشر الذاتي مثل كيندل التابعة لامازون بدات تشهد تدفقا غير مسبوق لعشرات الالاف من الكتب المولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. واضافت ان بعض هذه الكتب يتم نسبها الى روائيين حقيقيين دون علمهم مما يسبب فوضى عارمة في سوق النشر الرقمي.
واكدت شركات النشر الكبرى انها بدات في اتخاذ اجراءات وقائية صارمة من بينها حذف العناوين منخفضة الجودة وتحديد سقف معين للنشر اليومي لكل حساب. واوضحت ان هذه الخطوات تهدف الى الحفاظ على جودة المحتوى ومنع التلاعب الذي يقوم به بعض الناشرين لغمر السوق بمواد رديئة.
وبين المدير التشغيلي لمنصة درافت تو ديجيتال ان انماط النشر غير الطبيعية اصبحت مؤشرا واضحا على استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل جهات سيئة النية. واضاف ان الكتّاب العاديين لا يمكنهم نشر عشرات الكتب في يوم واحد مما يسهل عملية تتبع الحسابات المشبوهة وحظرها.
هل تراجعت جودة الادب امام الالة؟
واظهرت دراسات اكاديمية ان القراء باتوا يجدون صعوبة كبيرة في التمييز بين النصوص المكتوبة بأيدٍ بشرية وتلك الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. واضافت ان بعض النصوص المولدة آليا تمكنت بالفعل من اجتياز مراحل التصفية الاولى في مسابقات ادبية مرموقة دون ان يكتشف المحكمون حقيقتها.
واكد تقرير صادر عن جامعة كامبريدج ان الاعتماد على الادوات التوليدية يؤدي بالضرورة الى انتاج روايات نمطية تفتقر للتنوع والابتكار. واضاف ان الخوارزميات تعيد تدوير الصور النمطية الموجودة في النصوص التاريخية مما يهدد بفقر المحتوى الادبي على المدى الطويل.
وبين الروائيون ان استخدام الذكاء الاصطناعي يجب ان يقتصر فقط على المهام غير الابداعية مثل البحث وجمع المعلومات. واضافوا ان محاولة جعل الالة تكتب الرواية كاملة سيؤدي حتما الى مسخ الهوية الادبية وتحويل الفن الى مجرد معادلات رياضية جافة.
