لم يعد التساؤل في الشارع الايراني يتمحور حول موعد عودة خدمة الانترنت للجميع، بل اصبح السؤال الاكثر الحاحا هو من هي الفئة التي ستحصل على حق الوصول اولا في ظل القيود المشددة. كشفت التطورات الاخيرة ان السلطات بدات تتبنى سياسة الفتح التدريجي للشبكة الدولية، حيث شملت القوائم الجديدة اساتذة الجامعات كخطوة اولى تتبعها خطوات اخرى، مما يعكس تحول الانترنت من خدمة عامة مكفولة للجميع الى امتياز انتقائي يخضع لمعايير الاستثناءات والقوائم المحددة مسبقا.

واوضحت التقارير ان هذا المسار يثير تساؤلات حول مستقبل العدالة الرقمية في البلاد، حيث يتم نقل الوصول الى الشبكة العالمية عبر بوابات رسمية تمنح اولوية لفئات مهنية واكاديمية بعينها. وبين مهدي ابطحي، معاون وزير العلوم، ان الوزارة اعدت قوائم خاصة للاساتذة تتيح لهم الاتصال بالعالم الخارجي، على ان يتم توسيع هذه الدائرة لاحقا لتشمل الباحثين والمراكز العلمية، وهو ما ياتي بعد فترة طويلة من العزلة الرقمية التي تجاوزت مئات الساعات.

واكد مراقبون ان هذه الخطوة تاتي في وقت تشتد فيه الضغوط على قطاعات حيوية، مما يجعل من الانترنت اداة وظيفية اكثر من كونه حقا اصيلا للمواطنين. واضافت المصادر ان هذا التوجه يرسخ مبدا الانتقائية في التعامل مع الفضاء السيبراني، مع استمرار العمل بآليات القوائم التي تفرز المستخدمين وفقا لاحتياجات السلطة التنفيذية والمهنية.

التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع التقني

وبينما يشدد وزير الاتصالات ستار هاشمي وعدد من المسؤولين على ان الانترنت الطبقي لا اساس له، وان الحق في الوصول الى الشبكة مكفول للجميع دون تمييز، يظل الواقع العملي مغايرا تماما. واظهرت الممارسات الادارية ان القوائم البيضاء لا تزال هي المحرك الرئيسي لسياسة الوصول، مما خلق حالة من الارتباك في التصريحات الحكومية التي تنفي وجود هذا التصنيف بينما تنفذه على ارض الواقع من خلال منح استثناءات لفئات مهنية واقتصادية محددة.

واشار خبراء تقنيون الى ان ما يعرف بـ الانترنت برو يمثل نموذجا لهذا الانقسام، حيث يتم توفير اتصال مستقر واقل تقييدا لشرائح معينة مثل الشركات والعاملين المستقلين، بينما يظل المستخدم العادي بعيدا عن هذه الامتيازات. واكد الحقوقي كامبيز نوروزي ان هذا الاسلوب يضر بالاقتصاد الوطني نفسه، لان الاعمال تحتاج الى جمهور واسع متصل لتزدهر، وحرمان الناس من الوصول يجعل من خدمات الاعمال نفسها قليلة الجدوى.

وذكرت تقارير اقتصادية ان الكلفة المترتبة على هذه السياسات باهظة للغاية، حيث اشار عباس اشتياني الى ان الانقطاعات المستمرة كبدت الاقتصاد الرقمي خسائر تقدر بنحو مليار دولار خلال فترة وجيزة. واوضح ان محاولات فتح منصات محدودة لا تكفي لتعويض الضرر الكبير الذي لحق بالبنية التحتية والنشاط التجاري، مشددا على ان العودة الكاملة تتطلب استثمارات ضخمة ونهجا مختلفا في ادارة الملف الرقمي.