بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
لا تواجه الصين انهياراً اقتصادياً فورياً، لكنها تواجه خطراً جدياً يتمثل في ضعف اقتصادي طويل الأمد. فالخطر لا يتمثل بالضرورة في أزمة مالية مفاجئة، بل في دورة انكماشية بطيئة: تراجع أسعار العقارات، حذر الأسر في الإنفاق، فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، ديون الحكومات المحلية، وتراجع ثقة المستثمرين.
المشكلة الداخلية في الصين أصبحت واضحة: نموذج النمو القديم يتعرض لضغوط كبيرة. فعلى مدى عقود، اعتمد النمو الصيني على العقارات، والبنية التحتية، والصادرات، والاستثمار الموجه من الدولة. أما اليوم، فإن قطاع العقارات ضعيف، وثقة الأسر منخفضة، والحكومات المحلية تعاني مالياً، والعديد من الصناعات تنتج أكثر مما يستطيع الطلب المحلي استيعابه.
تعطي حالة العقارات أوضح صورة رقمية للمشكلة. ففي عام 2025، انخفض الاستثمار في التطوير العقاري في الصين إلى حوالي 8.2788 تريليون يوان صيني، أي ما يعادل تقريباً 1.22 تريليون دولار أمريكي على أساس سعر صرف يقارب 6.80 يوان لكل دولار أمريكي، مسجلاً تراجعاً بنسبة 17.2% مقارنة بالعام السابق. كما انخفض الاستثمار السكني وحده بنسبة 16.3%. وهذا ليس تصحيحاً بسيطاً، بل انكماش كبير في أحد أعمدة نموذج النمو الصيني السابق.
واستمر الضعف في بداية عام 2026. فمن يناير إلى فبراير 2026، بلغ الاستثمار في التطوير العقاري حوالي 961.2 مليار يوان صيني، أي ما يعادل تقريباً 141.4 مليار دولار أمريكي، منخفضاً بنسبة 11.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما انخفض الاستثمار السكني بنسبة 10.7%. وتراجعت مساحات البناء الجديدة بنسبة 23.1%، بينما تراجعت بدايات البناء السكني بنسبة 23.3%. كما انخفضت الأموال المتاحة للمطورين العقاريين بنسبة 16.5%، في حين هبطت القروض العقارية الفردية بشكل حاد بنسبة 41.9%. وتوضح هذه الأرقام أن مشكلة العقارات لا تتعلق بالأسعار فقط، بل تشمل التمويل، وثقة المشترين، وسيولة المطورين، ومستقبل نشاط البناء.
وهذا مهم لأن العقارات في الصين ليست مجرد قطاع سكني. فهي مرتبطة بالحديد، والإسمنت، والزجاج، والأثاث، والأجهزة المنزلية، ومبيعات الأراضي للحكومات المحلية، وثروة الأسر، والإقراض المصرفي، وفرص العمل في قطاع البناء. وعندما يضعف قطاع العقارات، تنتشر آثاره في الاقتصاد الأوسع. تشعر الأسر بأنها أفقر، وتفقد الحكومات المحلية جزءاً من إيراداتها، ويؤخر المطورون العقاريون المدفوعات، وتصبح البنوك أكثر حذراً، وتواجه المصانع طلباً محلياً أضعف. وهكذا يمكن لتصحيح عقاري أن يتحول إلى ضغط انكماشي أوسع.
في مثل هذا الوضع، قد تميل الصين إلى تخفيف الانكماش عن طريق دفع المزيد من الصادرات إلى الأسواق الخارجية. وقد يساعد ذلك المصانع على المدى القصير، لكنه يهدد بخلق موجة جديدة من النزاعات التجارية. فإذا قامت الصين بتصدير فائض طاقتها الإنتاجية بأسعار منخفضة جداً، فقد ترد الدول الأخرى بفرض رسوم جمركية، وقضايا مكافحة إغراق، وقيود تكنولوجية، وتنويع سلاسل التوريد بعيداً عن الصين.
والاستراتيجية الخارجية الأفضل للصين هي الانتقال من تصدير السلع الرخيصة إلى تصدير شراكات تنموية. فبدلاً من الاكتفاء ببيع الألواح الشمسية، والمركبات الكهربائية، والحديد، والبطاريات، والآلات، ومواد البناء، تستطيع الصين الاستثمار في مناطق صناعية مشتركة، وتصنيع محلي، وتدريب، وصيانة، ونقل تكنولوجيا، وحزم بنية تحتية متكاملة. وهذا من شأنه أن يخلق فرص عمل في الدول الشريكة ويقلل من الاتهام بأن الصين تصدّر انكماشها الاقتصادي إلى العالم.
كما ينبغي للصين أن تعيد تصميم نهج “الحزام والطريق”. فالمرحلة القادمة يجب أن تركز بدرجة أقل على المشاريع الضخمة الممولة بالديون، وبدرجة أكبر على المشاريع الأصغر حجماً، والمجدية تجارياً، والقادرة على توليد إيرادات. وهذا يساعد الشركات الصينية في الخارج، مع تقليل مشاعر الاستياء من الديون في الدول الشريكة.
ومن العناصر المهمة أيضاً في هذه الاستراتيجية الدبلوماسية التجارية. ينبغي للصين أن تعمل على تقليل المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان، والاقتصادات الآسيوية الكبرى. وهذا لا يعني التنازل عن قوتها الصناعية، لكنه يعني تجنب التوسع التصديري العدواني القائم على الأسعار المنخفضة، والذي يستدعي مقاومة سياسية واقتصادية من الآخرين.
كما أن تخفيف الضغط على تايوان قد يساعد الصين اقتصادياً. فهو لن يحل أزمة العقارات أو ديون الحكومات المحلية، لكنه سيقلل من المخاطر الجيوسياسية. فالمستثمرون الأجانب، وشركات الشحن، وشركات التأمين، والبنوك، والمصنعون، جميعهم يضعون المخاطر السياسية ضمن حساباتهم. وإذا ارتفع التوتر حول تايوان، يصبح المستثمرون أكثر حذراً، وتسرّع الحكومات خطط “تقليل المخاطر” المرتبطة بالاعتماد على الصين.
ويُعد مضيق تايوان مهماً أيضاً للصين نفسها. فأي أزمة خطيرة في المضيق أو حوله ستضر ليس فقط بتايوان والغرب، بل أيضاً بطرق التجارة الصينية، وسلاسل التوريد، وواردات الطاقة، والنظام الصناعي الصيني. ولذلك، يجب فهم تخفيف الضغط على تايوان ليس فقط كإجراء سياسي، بل أيضاً كإجراء لبناء الثقة الاقتصادية.
لا تستطيع الصين أن تحل مشكلة الانكماش من خلال السياسة الخارجية وحدها. فالعلاجات الأساسية يجب أن تكون داخلية: تعزيز دخل الأسر، وتحسين شبكات الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة قطاع العقارات، وإصلاح ديون الحكومات المحلية، والانتقال من نموذج النمو المعتمد على الاستثمار إلى نموذج أكثر اعتماداً على الاستهلاك.
ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الخارجية يمكن أن تجعل المشكلة أسوأ أو تجعل إدارتها أسهل. فإذا اعتمدت الصين على الصادرات الرخيصة والضغط العسكري، فقد تزيد المقاومة العالمية ضدها. أما إذا جمعت بين الإصلاح الداخلي والدبلوماسية الهادئة، وشراكات الاستثمار الخارجية، ومشاريع “الحزام والطريق” المنضبطة، وتخفيف التوتر حول تايوان، فإنها تستطيع تخفيف الضغط الانكماشي وحماية موقعها على المدى الطويل.
وبعبارة مختصرة: أفضل استراتيجية للصين ليست تصدير ضغوطها الاقتصادية إلى العالم، بل تحويل قوتها الصناعية إلى نمو تعاوني، مع تقليل الخوف الجيوسياسي.
إخلاء مسؤولية:
يمثل هذا المقال الآراء والتفسيرات والاجتهادات المهنية الشخصية للمهندس نبيل إبراهيم حداد. وهو مخصص فقط لأغراض المعلومات والتثقيف، ولا يُعد نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة؛ ومع ذلك، لا يتحمل أي مسؤولية أو التزام من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو أو عن استخدام المعلومات الواردة أو الاعتماد عليها. ويُنصح القراء والمؤسسات بممارسة تقديرهم الخاص وتكييف المفاهيم الواردة هنا مع ظروفهم الخاصة.
