في مطلع الألفينيات، لم تكن كرة القدم بالنسبة لي مجرد تسعين دقيقة تُلعَب على المستطيل الأخضر، بل كانت تفصيلاً يومياً محفوراً في عمق طفولتي. مَن مِنّا لا يذكر تلك الأيام التي كان فيها جرس الحصة الأخيرة في المدرسة هو "صافرة البداية" لرحلتي السريعة نحو المنزل؟ كانت حقيبتي المدرسية تُلقى جانباً فور دخولي، لتجتمع العائلة بشغف طفولي نقي حول شاشة التلفاز، متابعين جيلًا ذهبياً صاغ كبرياء الكرة الأردنية بأسماء رُفعت بالذهب.
تلك الأيام كان عنوانها النادي الفيصلي؛ واجهتي الأولى بعد المدرسة، وفرحتي الأكبر، والراية الزرقاء التي كانت ترفرف في سماء عمّان لترسم ملامح كبريائي. كبرتُ وكبر معي عشق هذا الكيان، فصار جزءاً من هويتي وكرامتي التي لا تقبل أي مساومة.
اليوم، ومع كثرة الحديث عن الخصخصة والاستحواذ، أقف كابنة لهذا النادي العريق لأقولها بصوت يسمعه الجميع: الفيصلي لن، ولم، ولا نقبل بيعه. هذا الكيان ليس عقاراً معروضاً في سوق المزاد، ولا شركة تجارية تُقاس قيمتها بالأرقام والمكاسب المادية. الفيصلي إرث وطن، وتاريخ أمة رياضية، ورمزية ممتدة عبر الأجيال لا يمكن لأي مال في العالم أن يشتريها أو يطمس هويتها.
ولكن، إذا كان المقصود من هذا الحراك الاقتصادي هو الاستثمار في "فريق كرة القدم" وتحويله إلى منظومة احترافية متكاملة، فنحن أول الداعمين والمؤيدين. لا يهمنا إطلاقاً مَن سيجلس على كرسي الإدارة، ولا تهمنا الأسماء أو المناصب؛ ما يهمنا وخطنا الأحمر الوحيد هو الحفاظ على الكيان، وضمان الهيبة، وصون كبرياء عميد الأندية الأردنية.
الاستثمار الحقيقي والذكي في شركة كرة القدم هو طوق النجاة الذي نرتضيه، لأنه سيتكفل بإنهاء كابوس الديون والقضايا، ويمنح الفريق "عضلات مالية" تمكنه من جلب أفضل المحترفين والعودة للتحليق في سماء آسيا، دون أن يمس شعرة واحدة من رمزية النادي الأم أو هويته التاريخية.
نريد فيصلي قاوياً، مستقراً، ومهاباً في الملعب، تدار فِرَقه بعضلات استثمارية محترفة وعقول اقتصادية واعية، بينما تظل روحه وإرثه ملكاً للوطن وللجماهير الوفية التي هتفت له منذ الطفولة وستبقى تهتف له للأبد: "عاش الزعيم".
بقلمي: رشا محمد الخوالده
الفيصلي خط أحمر... ذكريات طفلتنا وشروطنا لاستثمار "الهيبة والكيان"
