شهدت الساحة السياسية في فرنسا تطورا لافتا بعد ان صادق البرلمان رسميا على تعيين ايمانويل مولان في منصب محافظ بنك فرنسا، وهي الخطوة التي جاءت بعد جولات من الجدل السياسي الحاد حول مدى استقلالية المؤسسات النقدية في ظل القرب الشخصي للمحافظ الجديد من الرئيس ايمانويل ماكرون. ويعد هذا القرار مفصليا نظرا للدور المحوري الذي يلعبه البنك المركزي الفرنسي في توجيه السياسات الاقتصادية داخل منطقة اليورو باعتباره ثاني اكبر اقتصاد في الاتحاد الاوروبي.

واظهرت نتائج التصويت داخل لجان المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ انقساما واضحا، حيث واجه التعيين معارضة من ثمانية وخمسين نائبا، الا ان هذا الرقم لم يصل الى حاجز الثلاثة اخماس اللازم لعرقلة القرار، مما مكن مرشح الرئاسة من تجاوز العقبة البرلمانية بنجاح وتجنب صدام سياسي كان سيعتبر فشلا ذريعا لخيارات ماكرون في التعيينات العليا.

وبينت المعطيات ان القوى الوسطية والمحافظة الداعمة للرئاسة هي من رجحت كفة التعيين، في وقت فشلت فيه كتل المعارضة من اليمين واليسار في توحيد صفوفها لمنع تمرير هذا الاختيار، مما يعكس حالة التشرذم التي تعاني منها المؤسسة التشريعية الفرنسية حاليا.

ابعاد الجدل حول استقلالية القرار النقدي

واضاف المراقبون ان الانتقادات التي طالت تعيين مولان تنبع من مسيرته المهنية السابقة كأمين عام لقصر الاليزيه، حيث يخشى المعارضون ان يتحول البنك المركزي الى اداة لخدمة اجندات سياسية قبل انتهاء ولاية ماكرون الحالية، وهو ما دفع مولان خلال جلسات الاستماع للتأكيد على انه رجل مستقل خدم الدولة لعقود وسيعمل وفق معايير مهنية بحتة بعيدا عن التأثيرات السياسية.

واكد مولان في تصريحاته ان استقلالية السياسة النقدية هي الركيزة الاساسية التي يقوم عليها عمل البنك المركزي الاوروبي، مشددا على انه يدرك تماما حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في الحفاظ على حياد المؤسسة المالية الاولى في البلاد.

وتابعت الاوساط الاقتصادية تصريحات المحافظ الجديد باهتمام بالغ، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها التضخم والضغوط الجيوسياسية التي تؤثر على اسعار الطاقة ومستويات النمو في القارة العجوز.

تحديات الاقتصاد الفرنسي والاوروبي

وكشفت التقديرات المالية الاخيرة ان فرنسا لا تزال تواجه صعوبات في ضبط عجز الموازنة، حيث اوضح مولان ان الهدف المتمثل في خفض العجز الى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي يظل قابلا للتحقيق بفضل الاصلاحات الهيكلية، مشيرا الى ان العودة الى سقف الثلاثة بالمئة الذي يفرضه الاتحاد الاوروبي تتطلب قرارات شجاعة لضبط الانفاق العام.

واشار المسؤول الجديد الى ان تحقيق الانضباط المالي لا يعني بالضرورة اللجوء الى سياسات تقشفية قاسية، بل يكمن السر في رفع كفاءة ادارة الموارد في قطاعات حيوية مثل الصحة والمعاشات التقاعدية التي تستهلك جزءا كبيرا من الميزانية العامة.

واوضح ان القرارات النقدية المستقبلية ستكون مبنية بشكل كامل على البيانات الاقتصادية الدقيقة، مع الحرص على الموازنة بين ضرورة كبح جماح التضخم ودعم عجلة النمو الاقتصادي في مرحلة تتسم بعدم اليقين العالمي.

مسار مهني حافل في اروقة المال

واظهر السجل المهني لمولان خبرة واسعة اكتسبها خلال عمله مديرا للخزانة الفرنسية ومديرا لمكتب وزير المالية، حيث كان احد العقول المدبرة لادارة الازمات الاقتصادية خلال جائحة كورونا والتقلبات المالية الاوروبية، مما يجعله خبيرا مخضرما في الملفات الاقتصادية المعقدة.

واكد الخبراء ان منصب محافظ بنك فرنسا لا يقتصر تأثيره على الداخل فقط، بل يمتد الى مجلس محافظي البنك المركزي الاوروبي الذي يحدد مصير الفائدة في واحد وعشرين دولة، مما يضع مولان في قلب صناعة القرار الاقتصادي العالمي.

وختم مولان حديثه بالتأكيد على ان المرحلة المقبلة تتطلب حذرا شديدا في اتخاذ القرارات، خاصة مع تزايد المخاطر المحيطة بالنمو الاقتصادي العالمي، مؤكدا ان البنك سيظل صمام امان للاقتصاد الوطني في وجه العواصف المالية المحتملة.