من داخل جيب سترته الداخلي، يستخرج المؤرخ الفلسطيني مجدي العايدي محفظة صغيرة تضم كنزا ثمينا لا يقدر بمال، حيث يضع بين يديه ذاكرة الكترونية تجاوز عمرها اثني عشر عاما، وهي الوديعة التي تحمل في طياتها اكثر من خمسة الاف صورة نادرة توثق تفاصيل حياة الفلسطينيين قبل النكبة وخلالها وبعدها، من قرى ووجوه ومسارات هجرة وحكايات شعبية ظل يجمعها صورة تلو الاخرى بجهد فردي دؤوب.

واكد العايدي البالغ من العمر ثمانية وخمسين عاما ان هذه الذاكرة الرقمية لازمته طوال عامين ونصف من ويلات الحرب والنزوح المستمر، موضحا انها كانت الرفيق الوحيد له في رحلة الخوف والتنقل، رغم فقدانه مكتبته الشخصية التي كانت تضم آلاف الكتب والمراجع التي احترقت بفعل القصف، مبينا ان عزيمته لم تلن في مواصلة مسيرته لتوثيق ادق تفاصيل الهوية الفلسطينية التي يحاول الاحتلال طمسها.

واضاف في حديثه ان هذه الذاكرة تعد بمثابة ابن رابع له من سلالة العلم والمعرفة، مشددا على انه كان يحرص على فحص سلامتها وصلاحيتها حتى في اشد فترات الحرب ضراوة بمدينة رفح، ومؤكدا ان شغفه بالبحث والتحقيق اصبح جزءا من كيانه ووجوده الذي يتحدى النسيان بكل ما اوتي من قوة.

قصة الابن الذي ولد من رحم المكتبة

وبين العايدي ان هذا الارشيف لم يولد من فراغ، بل هو نتاج سنوات طويلة من القراءة والتحقيق والبحث في ستة آلاف كتاب كانت تشكل مكتبته العامرة قبل ان تطالها نيران الحرب، موضحا ان كل صورة او شهادة كانت تستوجب منه جلسات مطولة مع كبار السن والشهود الاوائل لتدوين الروايات، متسائلا عن مسارات العائلات بعد الهجرة واسباب اختيارهم لبلدات دون غيرها لضمان دقة التوثيق التاريخي.

واشار الى انه مد جسور التواصل مع الفلسطينيين داخل الخط الاخضر لجمع صور نادرة او تعليقات على مشاهد قديمة، موضحا ان عمله تحول بمرور الوقت الى موسوعة بعنوان الصورة المختزلة في ذاكرة النكبة، والتي اصدرها لتكون مرجعا يعيد لفلسطين ملامحها من بيوت واسواق ومشاف ومشافي واسواق ومزارع، ومؤكدا ان عمه الذي عاش لاكثر من قرن كان الملهم الاول له في تتبع جذور العائلات والقبائل.

واوضح ان رحلته في علم الانساب قادته لتاليف كتابه الثاني جذور العزة في بلاد غزة، مبينا ان الصورة اصبحت بالنسبة له دليلا ماديا لا يقبل الشك على وجود الفلسطينيين التاريخي على ارضهم، ومؤكدا ان والده وعمه قدما له دعما كبيرا جعله يترك التجارة ليتفرغ لهذا النداء الوطني الذي اعتبره واجبا مقدسا لا يقبل التأجيل.

منهجية التحقيق واليقين في التوثيق

واكد الباحث الفلسطيني ان مشروعه يعتمد على منهجية دقيقة في التحقيق، حيث يرفض الروايات غير المسندة، موضحا انه يراجع كل معلومة ويقارنها بالمعطيات التاريخية المتاحة، ومبينا انه لا يعتمد على السرد الشفوي بمفرده الا اذا وجد توافقا يتجاوز ستين بالمئة مع القرائن التاريخية، مع ابقاء الباب مفتوحا دائما للمراجعة والتدقيق.

واضاف انه خضع لدورات متخصصة في التحقيق العلمي أهلته للحصول على مراتب متقدمة في هذا المجال، مشددا على القاعدة التي تعلمها من المؤرخ محمد سليمان الطيب وهي التحقيق باليقين، وموضحا ان هدفه هو ترك مادة تاريخية رصينة للاجيال القادمة، معترفاً ان الحكاية الفلسطينية تسمع بالقلب وتكتب بعين المحقق الباحث عن الحقيقة.

وكشف عن قصص صور نادرة حصل عليها لقرية الجورة، موضحا كيف تظهر تلك اللقطات تفاصيل الحياة اليومية ومهن الناس وعلاقتهم بالبحر، مبينا انه يفحص كل صورة بدقة متناهية لضمان خلوها من التعديل، ومؤكدا ان الصورة تحتاج دائما الى سند يحفظ معناها وسياقها داخل الذاكرة الفلسطينية الجماعية التي ترفض الاندثار.

محطات الوجع في ذاكرة القرى

واشار الى وقوفه الطويل عند صورة الضابط المصري طه بيك الذي ارتبط اسمه بجبهة الفالوجة وقرية عراق المنشية، موضحا ان تلك المرحلة تمثل العتبة الاخيرة في حكاية السقوط، ومبينا ان تاريخ خروج المدافعين من عراق المنشية يعد في نظره تاريخ النكبة الحقيقي الذي اكتملت فيه فصول الاقتلاع العسكري والمدني.

واضاف ان هناك صورا تعصر القلب، مثل قصة الزوجين اللذين بقيا وحدهما في قريتهما بعد اقتحامها، موضحا كيف اضطرا للمغادرة سيرا على الاقدام نحو مخيم العروب، ومؤكدا ان ذاكرته الالكترونية التي يحملها في جيبه هي بمثابة متحف متنقل يحفظ اسماء القرى التي يحاول البعض مسحها من الخارطة.

وختم حديثه بالقول ان موسوعته هي ارشيف صغير الحجم واسع المعنى، نجا في جيب رجل آمن ان الصورة حين تحفظ جيدا تستطيع ان تمنح الغائبين فرصة اخرى للحضور، مبينا انه سيواصل ترتيب ما تبقى من مكتبته واعادة الحياة للصور كأنها عائدون صغار الى قرى بعيدة تنتظر اهلها.