عاد ملف الدستور الليبي ليتصدر واجهة النقاشات السياسية في البلاد، بعدما جدد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تمسكه بضرورة اعتماد الوثيقة الدستورية كشرط أساسي لا غنى عنه قبل المضي قدما في أي انتخابات عامة. واكد الدبيبة في مواقفه الاخيرة رفضه القاطع لاي مساعٍ تهدف لتمكين العسكر من الوصول الى سدة الحكم، وهو الموقف الذي اثار موجة واسعة من التساؤلات حول مدى اتساق هذه التصريحات مع التحركات الفعلية لحكومته على الارض.

واظهرت تحليلات المراقبين وجود حالة من التناقض بين الخطاب المعلن للدبيبة وبين انخراط وفد حكومي تابع له في اجتماعات اللجنة الاممية المعروفة بـ 4+4، والتي تعنى بصياغة القوانين الانتخابية تمهيدا للاستحقاق الوطني. وبين المتابعون ان هذا التباين يضع تساؤلات مشروعة حول حقيقة الاهداف التي يسعى اليها رئيس الحكومة من وراء اعادة طرح ورقة الدستور في هذا التوقيت الحساس.

واشار عضو مجلس النواب عمار الابلق الى ان هناك فجوة كبيرة بين ما يقوله الدبيبة وبين ما يمارسه وفده في المفاوضات الجارية، متسائلا عن الجدوى من الجلوس مع اطراف يصفها الدبيبة بالعسكرية بينما يتمسك في الوقت نفسه بشعارات ترفض هذا التوجه. واوضح الابلق ان هذه المناورات قد تكون محاولة تكتيكية للالتفاف على مخرجات اللجنة الاممية التي قد تفضي الى انهاء الوضع السياسي الراهن وتغيير الوجوه الحالية في السلطة.

ابعاد المناورة السياسية في طرابلس

وكشفت قراءات سياسية ان التلويح بملف الدستور يمثل ورقة ضغط يهدف من خلالها الدبيبة الى استباق اي نتائج قد تفرزها المبادرات الدولية، خاصة تلك المرتبطة بمبادرة مستشار الرئيس الامريكي مسعد بولس. واضاف الناشط السياسي احمد التواتي ان هذه الخطوة تعد محاولة استباقية لعرقلة المسارات الانتخابية التي لا تضمن بقاء السلطة الحالية، مشيرا الى ان طرح مسودة دستور قديمة يمثل وسيلة قانونية لتعقيد المشهد بدلا من تبسيط اجراءات الاقتراع.

واوضح التواتي ان الساحة السياسية الليبية تحولت الى ميدان لتبادل الرسائل الموجهة للاستهلاك المحلي، حيث يسعى كل طرف لترضية قاعدته الشعبية بعيدا عن الحلول الجذرية للازمة. وشدد على ان غياب التوافق الحقيقي بين القوى الفاعلة يجعل من ملف الدستور مجرد اداة لتعطيل الوصول الى صناديق الاقتراع، مما يزيد من حالة الاحتقان الشعبي تجاه الطبقة السياسية الحالية.

واكدت عضو الهيئة التاسيسية لصياغة الدستور نادية عمران ان الدعوة لاقرار الدستور تظل مطلبا جوهريا، مقترحة امكانية اجراء الاستفتاء عليه بطرق الكترونية لتجاوز العقبات اللوجستية. واضافت ان هذا المسار يتطلب تكاتفا دوليا ومحليا لضمان شرعية العملية الانتخابية والخروج من حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

رسائل الدبيبة ومستقبل السلطة

وبين رئيس حزب صوت الشعب فتحي الشبلي ان تصريحات الدبيبة تحمل في طياتها رسائل سياسية موجهة لاحتواء الغضب المتصاعد في مدينة مصراتة ومناطق اخرى، وتحديدا بعد تداول مبادرات تقاسم السلطة. واوضح الشبلي ان الدبيبة يحاول حماية موقعه عبر اعادة تموضعه داخل التيار المدني، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم قطع شعرة معاوية مع القوى الفاعلة في شرق البلاد.

واضاف الشبلي ان الدبيبة يلقي بالمسؤولية في ملعب اللجنة الاممية والاطراف الاخرى، لتبدو الحكومة وكأنها تلتزم بالمسارات الدستورية بينما هي في الحقيقة تشتري وقتا اضافيا. واكد ان المشهد الليبي لا يزال رهينة للمناورات السياسية التي تهدف الى الحفاظ على المكاسب الحالية، مع ترحيل استحقاق الانتخابات الى اجل غير مسمى في ظل غياب رؤية وطنية موحدة تضع مصلحة البلاد فوق حسابات البقاء في السلطة.