تطل ذكرى النكبة الفلسطينية هذا العام في ظل ظروف بالغة القسوة يعيشها الشعب الفلسطيني، حيث تتداخل فصول المأساة التاريخية مع واقع الحرب المدمرة في قطاع غزة وتصاعد وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية. وتكشف المعطيات الصادرة عن جهاز الاحصاء الفلسطيني ان المشهد الحالي يعيد انتاج فصول التهجير التي بدأت منذ عقود، مبينا ان عدد الفلسطينيين في العالم وصل الى نحو 15.5 مليون نسمة، يتوزعون بين فلسطين التاريخية والشتات في الدول العربية والعالم.
واوضح الاحصاء ان التوزيع السكاني يظهر وجود نحو 5.6 مليون فلسطيني يعيشون داخل دولة فلسطين، منهم اكثر من 3 ملايين في الضفة الغربية المحتلة واكثر من 2 مليون في قطاع غزة. واكدت التقارير ان هذه الارقام تعكس اصرار الشعب الفلسطيني على البقاء رغم كل محاولات الاقتلاع والتهجير القسري التي تمارسها سلطات الاحتلال في مختلف المناطق.
واشار المختصون الى ان النكبة ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي واقع مستمر يتجسد في تكرار سيناريوهات التشريد التي شهدها عام 1948، حين تم تشريد مئات الالاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم. واضاف التقرير ان تلك الاحداث التاريخية اسفرت عن تدمير مئات القرى والبلدات، مع استمرار المحاولات الرامية الى طمس الهوية الوطنية الفلسطينية عبر السيطرة على الاراضي وتوسيع رقعة الاستيطان.
ارقام النكبة وتداعيات التهجير المستمر
وبينت البيانات الاحصائية ان اكثر من 957 الف فلسطيني تعرضوا للتشريد خلال النكبة، حيث تم تدمير معظم القرى والمدن الفلسطينية التي خضعت لسيطرة الاحتلال آنذاك. واكدت المصادر ان حجم المعاناة اتسع ليشمل تهجيرا داخليا وخارجيا طال الملايين، موضحا ان العصابات الصهيونية ارتكبت عشرات المجازر التي راح ضحيتها الالاف من الابرياء، مما مهد الطريق لاقامة كيان الاحتلال على معظم مساحة فلسطين التاريخية.
وذكرت التقارير ان واقع الارض اليوم يشهد محاولات متجددة لفرض سياسة الامر الواقع، حيث تستمر عمليات هدم المنازل وتجريف الاراضي في الضفة الغربية. واضاف الخبراء ان الهدف من هذه الممارسات هو تضييق الخناق على الفلسطينيين ومنعهم من الوصول الى اراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم، مما يفاقم من ازمة التهجير والنزوح في مختلف المحافظات الفلسطينية.
واظهرت الاحصاءات ان عدد الشهداء المسجل منذ بدء الحرب الاخيرة على غزة تجاوز 73 الف شهيد، وهو رقم يمثل اكثر من نصف اجمالي عدد الشهداء منذ عام 1948. وشدد المراقبون على ان هذا التطور الخطير يكشف حجم الابادة التي يتعرض لها الفلسطينيون، موضحا ان الاطفال والنساء هم الفئة الاكثر تضررا من هذه العمليات العسكرية المستمرة.
توسع الاستيطان وازمة الموارد المائية
وكشفت التقارير ان الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة شهد توسعا غير مسبوق، حيث وصل عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية الى مئات المواقع. واوضحت المعطيات ان مئات الالاف من المستوطنين يسيطرون على مساحات شاسعة من الاراضي الفلسطينية، مؤكدا ان السلطات الاحتلالية تواصل اصدار اوامر وضع اليد والاستيلاء على المزيد من الدونمات لصالح مشاريعها الاستيطانية.
واشار التقرير الى ان الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون وقوات الاحتلال طالت عشرات الاف الاشجار، خاصة اشجار الزيتون التي تشكل رمزا للصمود الفلسطيني. واضاف ان فرض القيود عبر مئات الحواجز العسكرية يعيق حركة السكان ويمنعهم من الوصول الى مزارعهم، مما يؤدي الى تدهور الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان في الضفة الغربية.
وبينت الدراسات ان السيطرة على الموارد المائية تشكل جانبا اخر من جوانب المعاناة، حيث تسيطر سلطات الاحتلال على الجزء الاكبر من المياه الجوفية. واوضح التقرير ان حصة الفرد الفلسطيني من المياه انخفضت الى مستويات قياسية في قطاع غزة، مما يهدد الامن المائي والصحي للمواطنين ويحول دون قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الاساسية في ظل ظروف الحرب والحصار.
دمار شامل في البنية التحتية
واكدت التقارير ان حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة لا يضاهى، حيث تم تدمير عشرات الاف الوحدات السكنية والمرافق العامة بشكل كلي او جزئي. واشار المراقبون الى ان تدمير المساجد والكنائس والمؤسسات التعليمية والصحية يهدف الى جعل الحياة في القطاع مستحيلة، موضحا ان عملية اعادة الاعمار ستتطلب سنوات طويلة وجهودا دولية استثنائية.
واضافت البيانات ان الضفة الغربية لم تسلم ايضا من سياسات الهدم الممنهجة، حيث تم هدم مئات المنشآت والمباني خلال العام الاخير. وشدد التقرير على ان هذه الممارسات تندرج ضمن مخطط شامل يهدف الى تهجير الفلسطينيين وافراغ الارض من سكانها الاصليين، مؤكدا ان الصمود الفلسطيني يظل العائق الوحيد امام تنفيذ هذه المخططات.
وختمت التقارير بالاشارة الى ان ارقام الضحايا والدمار تعكس حجم الجريمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. واكدت ان المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والاخلاقية لوقف هذه الانتهاكات وتوفير الحماية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال والعدوان المستمر منذ اكثر من 78 عاما.
