يشهد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة من الترقب والحذر الميداني في ظل انسحابات غير مسبوقة نفذتها حركة 23 مارس المتمردة من مواقع استراتيجية عدة. وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع حراك دبلوماسي أمريكي مكثف يهدف إلى كسر جمود المفاوضات التي تعثرت لأكثر من عام ونصف العام. واكد مراقبون ان هذه الخطوة تثير تساؤلات جوهرية حول ما اذا كانت تمثل بداية فعلية لمسار السلام ام انها مجرد مناورة تكتيكية لاعادة التموضع العسكري.
وكشفت مصادر عسكرية كونغولية ان الانسحابات شملت مواقع حيوية في مقاطعة كيفو الجنوبية حيث تراجعت قوات الحركة نحو المناطق الحدودية المتاخمة لرواندا. واضافت المصادر ان هذا التحول الميداني جاء استجابة مباشرة لضغوط عسكرية مارستها القوات الحكومية بالتوازي مع تحركات دبلوماسية ضاغطة من واشنطن لخفض حدة التوتر. وبينت التقارير ان هذه التحركات تعد المرة الاولى التي تتراجع فيها الحركة بهذا الحجم منذ اشهر طويلة.
واشار خبراء في الشؤون الافريقية الى ان تعقيدات المشهد في شرق الكونغو تجعل من الصعب الجزم بنوايا المتمردين خاصة مع وجود تاريخ حافل من الهدن الهشة التي انتهت بانهيارات امنية. واضاف المحللون ان الحركة سبق لها استخدام اسلوب الانسحاب لاغراض تعبوية بحتة دون التزام حقيقي ببنود الاتفاقات السابقة. وشددوا على ان الصراع في المنطقة يتجاوز مجرد التواجد العسكري ليشمل صراعات اقليمية على الموارد ونفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمات متطرفة.
ابعاد الحراك الدبلوماسي الامريكي في الكونغو
وبينت التحركات الاخيرة ان الادارة الامريكية باتت تتبنى نهجا اكثر حزما في التعامل مع اطراف النزاع لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة. واوضحت وزارة الخارجية الامريكية في بياناتها الاخيرة ضرورة الالتزام بوقف اطلاق النار وتغليب لغة الحوار لتهدئة الاوضاع المتفجرة. واكد المراقبون ان واشنطن تدرك جيدا ان استمرار هذا النزاع يهدد الامن الاقليمي في منطقة البحيرات الكبرى ويزيد من حدة الكارثة الانسانية.
واضاف الخبراء ان نجاح المساعي الامريكية مرهون بقدرتها على معالجة جذور الازمة وليس فقط فرض تهدئة مؤقتة على الارض. واوضحوا ان التحدي الاكبر يتمثل في اقناع الاطراف المتصارعة بان السلام الدائم هو الخيار الوحيد القابل للاستمرار في ظل ضغوط دولية متصاعدة. واشاروا الى ان الايام القادمة ستكون كفيلة باظهار ما اذا كانت هذه الانسحابات ستتبعها خطوات عملية لاعادة مؤسسات الدولة او انها ستظل مجرد مناورة سياسية.
وخلص التحليل الى ان المشهد الكونغولي لا يزال محاطا بالشكوك رغم المؤشرات الايجابية الطفيفة التي ظهرت مؤخرا. واكد المتابعون ان اي اتفاق جاد يتطلب ضمانات حقيقية على الارض وفتح مسارات تفاوضية شفافة تشمل كافة الاطراف المعنية. وبينوا ان استمرار التوترات الميدانية دون حل سياسي شامل سيجعل من اي انسحاب عسكري مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من المواجهات.
