تشهد العاصمة طهران حالة من الترقب والحذر بعد مرور شهر كامل على فرض الحصار البحري الامريكي على الموانئ الايرانية، حيث باتت واجهات المحلات التجارية تعكس واقعا اقتصاديا متناقضا بين وفرة في المعروض وركود حاد في القوة الشرائية. واظهرت جولات ميدانية ان المواطنين يواجهون تقلبات متسارعة في الاسعار، وسط تحول السلع المستوردة الى كماليات ترتبط قيمتها بشكل مباشر بسعر صرف الدولار في السوق الموازية، مما جعل الحصول على الاحتياجات اليومية تحديا يوميا للعائلات.
وبينت قصص المواطنين في شوارع طهران ان حالة من الاحباط تسود اوساط المستهلكين، خاصة مع تضاعف اسعار مواد اساسية مثل الخبز والسلع الغذائية، واضاف اصحاب المتاجر ان حركة البيع تراجعت بشكل لافت، حيث يكتفي الزبائن بالمشاهدة والاطلاع على الاسعار المرتفعة دون القدرة على اتمام عمليات الشراء، مشيرين الى ان الحصار البحري لم يقتصر تأثيره على الخارج بل امتد ليشمل ادق تفاصيل المعيشة اليومية للمواطن الايراني.
واكد خبراء اقتصاديون ان التضخم في ايران لم يعد يسير بوتيرة تدريجية كما كان في السابق، بل اصبح يقفز بوتيرة سريعة نتيجة تعطل سلاسل الامداد والاستيراد، وموضحين ان التجار يعمدون الى اعادة تسعير مخزونهم بناء على توقعات سعر الصرف المستقبلي، مما يفاقم الضغوط على الطبقات المتوسطة والفقيرة التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة هذا الارتفاع الجنوني في الاسعار.
ازمة الغلاء تحت قبة البرلمان
وكشفت الجلسات البرلمانية الاخيرة عن حالة من القلق الرسمي تجاه موجات الغلاء المتلاحقة، حيث عقد البرلمان الايراني اجتماعات عاجلة لمناقشة سبل ضبط السوق ومواجهة الاحتكار، واضاف اعضاء في البرلمان ان هناك جهات داخلية تستغل الظروف الراهنة لتحقيق ارباح فاحشة، مشددين على ضرورة محاسبة المتورطين في رفع الاسعار دون مبررات اقتصادية حقيقية تتناسب مع تكاليف الانتاج.
وبينت التقارير الواردة من الاسواق ان اسعار الارز والزيوت واللحوم شهدت قفزات كبيرة، واوضح تجار التجزئة انهم مضطرون لرفع الاسعار لتعويض الخسائر الناتجة عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ومبينين ان الحصار البحري خلق واقعا جديدا يتمثل في ندرة بعض المواد الاساسية مما يدفع الاسعار تلقائيا نحو الارتفاع المستمر في ظل غياب الرقابة الفاعلة.
واشار مراقبون الى ان الحكومة تواجه انتقادات حادة بسبب بطء استجابتها للازمة، وشددوا على ان الحلول الترقيعية مثل الاعلان عن ضبط كميات محدودة من السلع المحتكرة لا تمثل حلا جذريا للمعاناة الشعبية، موضحين ان اقتصاد الحرب يتطلب قرارات استثنائية لضمان وصول السلع الضرورية للمواطنين بأسعار معقولة بعيدا عن جشع المضاربين.
تداعيات الحصار على القطاعات الانتاجية
وكشفت مصادر اقتصادية عن وجود حلقة مفرغة تؤثر على الاقتصاد الوطني، حيث تسبب تضرر قطاعات البتروكيماويات والصلب جراء الحرب في توقف العديد من الصناعات التحويلية، واضافت ان هذا التوقف لا يقتصر اثره على المصانع الكبرى بل يمتد ليشمل كل مفاصل الحياة اليومية، مما يقلص من فرص العمل ويزيد من حدة التضخم في السوق المحلي.
واظهرت التحليلات ان شريحة كبيرة من الايرانيين اصبحت تصنف كمليارديرات على الورق بسبب ارتفاع قيمة ممتلكاتهم السوقية، وبينة في الوقت ذاته ان هذه الشريحة تعيش فقرا مدقعا في الواقع نظرا لتآكل الدخل الحقيقي وعدم قدرتها على تغطية التكاليف المعيشية، واكد خبراء ان هذا الوضع يعكس شرخا اقتصاديا كبيرا يحتاج الى سياسات نقدية واضحة لانقاذه.
واختتم المحللون بالقول ان الحصار البحري وحصار الدولار اصبحا وجهين لعملة واحدة تستنزف جيوب المواطنين، واضافوا ان استمرار هذا النمط من التعامل في الاسواق سيؤدي الى مزيد من التدهور في القدرة الشرائية، ما لم تتدخل الدولة بحزم لادارة السوق وتوفير السلع الاساسية بعيدا عن تقلبات السوق السوداء وضغوط الحصار الخارجي.
