وسط اضطرابات الاقتصاد العالمي التي تفرض ضغوطا سعرية متزايدة بفعل التوترات الجيوسياسية وتعطل سلاسل الامداد نجحت السعودية في صياغة نموذج اقتصادي متماسك حيث سجلت معدلات التضخم تباطؤا ملحوظا جعلها من بين الاقل عالميا. واظهرت البيانات الاحصائية الاخيرة ان هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة بل جاء ثمرة لسياسات مالية ونقدية دقيقة نجحت في عزل السوق المحلية عن الصدمات الخارجية.
واكدت الهيئة العامة للاحصاء ان معدل التضخم تباطأ ليصل الى 1.7 في المئة على اساس سنوي مما يعكس فاعلية التدابير الاستباقية التي اتخذتها الحكومة لضبط ايقاع الاسعار. واضافت وزارة المالية في توقعاتها ان المسار الهبوطي للتضخم سيستمر خلال الفترة المقبلة ليصل الى مستويات اكثر استقرارا في المدى المتوسط.
وبينت المؤشرات الاقتصادية ان هذا الانخفاض جاء مدعوما بشكل رئيسي بتباطؤ وتيرة ارتفاع تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود التي سجلت نموا بنسبة 3.8 في المئة. واوضحت التقارير ان استقرار الايجارات الفعلية للمساكن للشهر الثاني على التوالي يعد مؤشرا قويا على نجاح التنظيمات الجديدة في كبح جماح الاسعار.
استراتيجية التوازن العقاري
واشار خبراء الاقتصاد الى ان اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة يمثل حجر الزاوية في استراتيجية المملكة لرفع كفاءة المنظومة العقارية وتحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب. وشدد المحللون على ان هذه الخطوة ستجبر الملاك على ضخ الوحدات الشاغرة في السوق مما سيزيد من المعروض ويؤدي بالضرورة الى خفض الاسعار.
وكشفت التحليلات ان الحكومة كثفت جهودها بتوجيهات عليا لضبط قطاع العقارات الذي شهد ارتفاعات متسارعة في الاعوام الماضية. واضاف المختصون ان هذه الاجراءات لا تقتصر على الرسوم فقط بل تشمل تطوير مشاريع سكنية ضخمة وتحفيز المطورين لضمان استقرار الاسعار على المدى الطويل.
وبين الدكتور اسامة العبيدي ان لائحة الرسوم التي تصل الى 5 في المئة من قيمة المبنى ستخلق بيئة تنافسية تخدم المستهلك النهائي. واكد ان هذه السياسات تهدف الى الحد من الاحتكار وتعزيز الشفافية في السوق العقاري السعودي بما يضمن جودة الحياة للمواطنين.
مستقبل الاسعار في المملكة
واوضح المختص الاقتصادي احمد الشهري ان التراجع في معدل التضخم السنوي يعود بشكل مباشر الى تهدئة وتيرة ارتفاع تكاليف السكن. واضاف ان التوازن بين العرض والطلب الذي تعمل عليه الدولة حاليا سيؤدي الى مزيد من الانخفاض في اسعار الايجارات خلال المرحلة القادمة.
واشار الشهري الى ان تاثير القطاع العقاري على التضخم الكلي كبير جدا نظرا لوزنه النسبي في سلة اسعار المستهلك. واكد ان نجاح السعودية في السيطرة على هذا القطاع يعزز مكانتها ضمن اقتصادات مجموعة العشرين كبيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.
وختاما تظهر المؤشرات ان المملكة تمضي بخطوات ثابتة نحو ترسيخ الاستقرار السعري عبر معالجة جذور التحديات الاقتصادية. واضاف المتابعون ان تكامل اللوائح الجديدة مع برامج الاسكان الوطنية يخلق افقا جديدا للاقتصاد السعودي يدعم التخطيط المالي طويل الامد للاسر ويحمي القوة الشرائية من تقلبات الاسواق العالمية.
