د. حازم قشوع
في زمنٍ تتقاطع فيه ميادين الإنجاز بين ساحات الوطن ومنصّات العالم، يطلّ الأردن في عامه الثمانين من الاستقلال وهو يكتب فصول حضوره بلغةٍ مزدوجة؛ لغة البناء في الداخل، ولغة التميّز في ميادين التنافس الدولي. وفي قلب هذا المشهد، ينهض حضور “نشامى العرب” في المونديال بوصفه أكثر من مشاركةٍ رياضية، بل باعتباره امتدادًا حيًا لرواية وطنٍ لم يتوقف يومًا عن تحويل التحديات إلى منجزات، والطموح إلى حقيقة.
إنها لحظةٌ تختزل المعنى كله؛ حين يلتقي العلم الذي ارتفع يوم الاستقلال، مع الراية التي ترفرف في ملاعب العالم، في مشهدٍ واحدٍ يختصر ثمانين عامًا من الإرادة، ويعيد تقديم الأردن بوصفه وطنًا يصنع حضوره بالفعل، ويؤكد رسالته بالإنجاز. وهنا، لا يعود المونديال مجرد بطولة، بل يغدو منصةً يعبّر فيها الأردن عن ذاته، ويعلن من خلالها أن مسيرته لم تكن يومًا صدفة، بل خيارًا واعيًا ونهجًا راسخًا.
وفي لحظةٍ تتعانق فيها رايات الوطن مع نبض الملاعب، يطلّ إنجاز “نشامى العرب” في المونديال بوصفه حدثًا يتجاوز حدود الرياضة، ليغدو فصلًا جديدًا في كتاب المجد الوطني. وتكتسب هذه المشاركة معناها الأعمق حين تتزامن مع أعياد الوطن؛ عيد الاستقلال وعيد الجلوس الملكي، فتتحول من إنجازٍ كروي إلى رسالةٍ وطنية، تعبّر عن روح الأردن وعزيمته، وتجسّد إرادته المتصلة بإرثه الحضاري الممتد عبر الزمان والمكان....وهنا يرتفع صوت النشامى، لا في المدرجات فحسب، بل في وجدان الأردنيين جميعًا:
هنا الأردن… هنا بلد المنجز والمنجزات… هنا بلد الأمن والأمان… هنا الراية الهاشمية… هنا بداية الحكاية، وشاهد الزمان، وعنوان المكان… هنا بيت العرب.
إنّ تأهل النشامى إلى المونديال ليس مجرد عبورٍ إلى بطولةٍ عالمية، بل هو تتويج لمسيرةٍ من العمل والانضباط، والإيمان العميق بقدرة الإنسان الأردني على تحقيق الحلم رغم التحديات، وشحّ الموارد، وضغوط الإقليم. ومع ذلك، تمضي سفينة الإنجاز بثبات، وكأن النشامى يردّدون:
"تجري الرياح كما نشاء سفينتنا… نحن الرياح ونحن ربان السفن."....إنها صورة الإرادة الأردنية في أنقى تجلياتها؛ إرادة الشباب الذين حملوا الوطن في قلوبهم، فترجموه أداءً في الميدان، ليؤكدوا أن الراية التي ترتفع في سماء الملاعب، هي ذاتها التي ترفرف في ميادين البناء والإنجاز.
وفي رمزية التوقيت، حيث تتزامن هذه المشاركة مع عيد الاستقلال، تتجدد معاني السيادة والكرامة، ويستحضر الأردنيون مسيرة ثمانين عامًا من البناء والتحدي. كما يتقاطع هذا الإنجاز مع عيد الجلوس الملكي، في دلالةٍ على استمرارية النهج، حيث تعززت مسيرة الوطن بقيادته الهاشمية التي آمنت بالشباب، ودعمت طموحاتهم، وفتحت أمامهم آفاق التميز، لا سيما في ميدان الرياضة، التي حظيت برعاية واهتمام، وتجسدت فيها روح التحفيز والمشاركة في صناعة الإنجاز.
وفي المونديال، لا يلعب النشامى وحدهم؛ بل يلعب معهم وطنٌ كامل. في كل تمريرةٍ حكاية، وفي كل هدفٍ نبض شعب، وفي كل انتصارٍ تتجسد صورة الأردن الذي لا يعرف المستحيل. هناك، حيث تجتمع أمم العالم، يُكتب اسم الأردن بحروفٍ من عزيمة، ويُقدَّم نموذجٌ مشرّف للشباب العربي القادر على الحضور والمنافسة وصناعة الفارق.
كما يعكس هذا الإنجاز تحوّل الرياضة إلى أحد مسارات القوة الناعمة للدولة، حيث يغدو الأداء الرياضي أداةً للتعريف بالوطن، وإبراز صورته الحضارية، وتعزيز حضوره في الوعي العالمي. وهنا تتكامل معادلة “أردن الإنجاز” مع “أردن الرسالة”، في مشهدٍ يجمع بين الهوية والطموح، ويستند إلى روح الأسرة الأردنية الواحدة، التي يؤطرها نهجٌ يؤمن بالإنسان، ويستثمر في قدراته.
إنّ نشامى العرب في المونديال ليسوا مجرد لاعبين، بل سفراء وطن، يحملون رايته إلى العالم، ويجسدون قيمه في التحدي والانتماء والالتزام. ومع كل لحظةٍ يعيشها الأردنيون في هذه المشاركة، يتعزز اليقين بأن هذا الوطن، الذي صنع استقلاله بإرادته، قادرٌ على أن يصنع مجده في كل ميدان، وأن يكتب تاريخه في كل محطة.
وفي بيانٍ مقرونٍ بروح المناسبة، يمكن القول: كلما ارتفعت الراية في ميادين الاستقلال، وازدانت بقيم المواطنة القائمة على الولاء والانتماء، ارتفعت اليوم في ملاعب العالم خفّاقة، تعبّر عن وجدان الأردنيين في كل مكان، وتعلن أن الأردن، بقيادته وشعبه وشبابه، ماضٍ في كتابة تاريخه كما خطّه الهاشميون عبر الزمان.
وهنا يعلو صوت المعنى، وتتكثف دلالة الحكاية:
هنا الأردنُّ… مجدٌ يُعيدُ المجدَ التليدْ
هنا يُكتبُ المنجزُ… في سماءِ المجدِ بعهدٍ لا يبيدْ
هنا نشامى العرب… هنا الإنسانُ الذي صدقَ الوعيدْ
هنا التاريخُ يُكتبُ… بعهدِ عبدالله من جديدْ
