تتصاعد المخاوف في قطاع غزة حول مصير آلاف الضحايا الذين لا تزال جثامينهم قابعة تحت ركام المنازل المدمرة منذ بدء الحرب. ويعاني ذوو الشهداء من عجز تام عن الوصول إلى أحبائهم أو انتشال رفاتهم بسبب غياب المعدات الثقيلة ومنع دخول آليات الدفاع المدني إلى المناطق المستهدفة. واصبحت هذه القضية تشكل جرحا نازفا للعائلات التي فقدت كل شيء وتعيش على أمل دفن ذويها بطريقة تليق بكرامتهم الانسانية.
واوضحت شهادات حية أن العديد من المواطنين يخشون أن يتم ترحيل الركام بما يحويه من رفات إلى أماكن مجهولة أو استخدامه في مشاريع تجريف وإعادة تأهيل للمناطق المدمرة. وتعيش عائلات بأكملها مأساة حقيقية حيث تحولت بيوتهم الى مقابر جماعية مفتوحة تحت الانقاض. وبينت تقارير ميدانية أن الوقت الطويل الذي مر على عمليات القصف أدى إلى تحلل الجثامين واختلاطها كليا بحطام المباني المنهارة.
وتساءلت الناجية اسلام درويش عن امكانية استعادة ما تبقى من عائلتها التي فقدتها في قصف برج المهندسين. واضافت أن الالم لا يقتصر على الفقد بل يمتد ليشمل الغموض الذي يلف مصير الضحايا تحت اكوام الحجارة. وشددت على أن استمرار هذا الوضع يمنع العائلات من ممارسة حقها في الوداع الاخير ويجعل من ذكراهم معلقة في المجهول.
مأساة العائلات المفقودة تحت الانقاض
ويعيش شاهر ابو عودة فصولا مشابهة من المعاناة بعد فقدان معظم افراد اسرته في القرية السويدية برفح. واكد أن منزله جُرف بالكامل ونُقل ركامه إلى وجهات غير معروفة دون منح الناجين أي فرصة للبحث عن رفات ذويهم. وبين أن ما يجري يعد جريمة مركبة تبدأ بالقصف وتنتهي بطمس معالم الضحايا بشكل نهائي.
وطالب ابو عودة بضرورة تقديم اجابات واضحة حول أماكن نقل الركام وتحديد مصير المفقودين في ظل صمت دولي تجاه هذه الانتهاكات. واكد أن القوانين الدولية تكفل حق الضحايا في الانتشال والدفن الكريم وهو ما يتم تجاهله بشكل متعمد في مناطق العمليات العسكرية. واشار إلى أن استمرار التجريف دون رقابة يفاقم من معاناة الناجين الذين فقدوا كل وسائل الوصول إلى الحقيقة.
وتعاني آية ابو النصر من صدمة مماثلة بعد فقدان 23 فردا من عائلتها في بيت لاهيا. واوضحت أن الصواريخ التي استهدفت منزلهم مزقت الاجساد إلى أشلاء اختلطت بالركام لدرجة يستحيل معها التعرف على أي أثر للشهداء. واضافت أن منع ادخال المعدات اللازمة لرفع الانقاض يمثل مخالفة صريحة للمواثيق الانسانية التي تحمي حقوق الموتى في النزاعات المسلحة.
ارقام مفزعة لضحايا تحت الركام
وتشير بيانات الدفاع المدني إلى وجود آلاف الشهداء الموزعين في محافظات غزة المختلفة تحت أكوام الدمار. واظهرت الاحصائيات أن محافظة غزة وحدها تضم أكثر من 4210 شهداء تحت انقاض مئات المنازل. وبين محمد المغير أن طواقم الانقاذ عجزت في كثير من الحالات عن العثور على أي أثر للضحايا بسبب التحلل الشديد وتأثيرات الاسلحة المستخدمة.
واضاف المغير أن عمليات البحث اصبحت معقدة للغاية في ظل حجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية. واكد أن الجهود التي بذلت بدعم من الصليب الاحمر لم تنجح في تغطية سوى جزء يسير من المواقع المستهدفة. واشار إلى أن التحديات الميدانية تزداد صعوبة مع مرور الايام وتغير المعالم الجغرافية للمناطق المدمرة.
وكشفت مصادر في الدفاع المدني عن استخدام آليات ثقيلة وروبوتات في تفتيت الجثامين خلال عمليات تجريف الركام. واضاف أحمد رضوان أن هناك مخاوف حقيقية من استخدام هذا الركام في أعمال إنشائية داخل مناطق الاحتلال أو في مشاريع داخل القطاع. واكد أن هذا السلوك يمثل انتهاكا جسيما للكرامة الانسانية ويمحو أي أمل في تحديد مصير المفقودين.
مطالبات بتحقيق دولي مستقل
وشدد اسماعيل الثوابتة على ضرورة فتح تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات تجريف المنازل فوق جثامين الضحايا. واضاف أن هناك أدلة ميدانية تشير إلى تعمد طمس الأدلة من خلال خلط الرفات بالركام بشكل ممنهج. ودعا المنظمات الدولية إلى التدخل العاجل لضمان حماية المواقع التي قد تحوي رفات الشهداء من العبث أو النقل.
واوضحت أماني الناعوق أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تسعى جاهدة للتوسط بين أطراف النزاع لتسهيل وصول الطواقم الطبية. واضافت أن قرارات السماح بالعمل تظل بيد أطراف النزاع التي غالبا ما ترفض أو تؤخر هذه المهام لاسباب أمنية. واكدت أن اللجنة تواصل دعمها للفرق الميدانية بالتدريب والمعدات اللازمة رغم الصعوبات البالغة.
وختم زاهر الوحيدي بالتأكيد على أن عدد المفقودين قد يتجاوز التقديرات الرسمية نظرا لابادة عائلات كاملة دون تسجيل بياناتها. واضاف أن الخبراء القانونيين يصفون ما يحدث بأنه جريمة حرب مكتملة الأركان تتطلب ملاحقة المسؤولين عنها. ويبقى السؤال عن مصير الآلاف من الغزيين تحت الركام معلقا في انتظار تحرك دولي ينهي هذا الغموض الموجع.
