في اول ظهور علني له عقب انتهاء فترته التاريخية على راس البنك المركزي الامريكي، وجه جيروم باول تحذيرات شديدة اللهجة وغير مسبوقة تتعلق بالمخاطر الجسيمة التي تفرضها الضغوط السياسية على استقلالية القرارات النقدية في البلاد. واكد باول خلال حفل تسلمه جائزة الشجاعة في بوسطن ان محاولات التدخل في عمل المؤسسة النقدية تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار الاقتصاد الوطني. واظهرت كلمته التي اتسمت بالعمق الاقتصادي قلقه البالغ من ان تؤدي هذه الضغوط الى زعزعة الثقة العامة في البنك المركزي الذي يعد صمام امان للاسواق العالمية.
حصانة البنك المركزي ضد التجاذبات
وبين باول ان المشرع الامريكي كان حكيما حين وضع ركائز هيكلية وقانونية تحمي البنك المركزي من التدخلات الرئاسية، مشيرا الى ان قانون الاحتياطي الفيدرالي يمنح المسؤولين حماية قانونية ضد العزل التعسفي. واضاف ان هيكل المؤسسة يضم ميزة فريدة تتمثل في استقلالية رؤساء البنوك الاقليمية الاثني عشر، مما يوفر حماية لقرارات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة حتى في حال تعرض مجلس الحكام لضغوط سياسية. وشدد على ان هذه الحماية المؤسسية ليست مجرد نصوص قانونية بل هي ضرورة لضمان اتخاذ قرارات مبنية على المصلحة الاقتصادية العليا.
مخاطر انهيار الثقة في المؤسسات
واوضح باول ان اقدام اي ادارة على عزل مسؤولي الفيدرالي بسبب خلافات سياسية سيخلق سابقة تدميرية ستتبعها الادارات المستقبلية، مما يؤدي الى فقدان الجمهور ثقته في حيادية المؤسسة. وكشف ان بناء المؤسسات الديمقراطية يستغرق عقودا من الجهد والصبر، لكن هدمها قد يحدث بسرعة فائقة نتيجة القرارات غير المدروسة. واكد ان استقلالية البنك المركزي ليست رفاهية بل هي الركيزة التي تحفظ توازن الاقتصاد الامريكي في مواجهة الازمات العالمية.
كواليس الصدام العنيف في اروقة الفيدرالي
واشار باول الى ان الضغوط التي شهدتها اروقة البنك المركزي بلغت ذروتها خلال الولاية الرئاسية الاخيرة، حيث لم تقتصر على التصريحات الاعلامية بل وصلت الى التلويح بالاقالة وفتح تحقيقات جنائية غير مبررة. واضاف انه فضل البقاء عضوا في مجلس الحكام رغم انتهاء رئاسته للمؤسسة لمواصلة الدفاع عن استقلالية البنك امام محاولات الهيمنة. وبين ان هذه الاحداث كشفت حجم الاضطرابات التي واجهت السياسة النقدية في واحدة من اكثر الفترات احتقانا في التاريخ الحديث.
مرحلة جديدة وتحديات وول ستريت
واكد باول ان تولي كيفين وارش مهام منصبه يضع المؤسسة امام تحديات كبيرة في ظل ترقب وول ستريت لكل خطوة قادمة. واضاف ان المحللين يراقبون بقلق تاثير هذه التطورات على الاسواق، حيث ان اي اهتزاز في مصداقية السياسة النقدية يدفع المستثمرين نحو طلب علاوات مخاطر اعلى. واوضح ان السيولة تتجه حاليا نحو الملاذات الامنة كالذهب لتأمين الثروات ضد تقلبات العملة والاضطرابات الناتجة عن تسييس المؤسسات المالية.
