أثارت الخطوة الحكومية الاخيرة في الاردن والقاضية بتعليق استقدام العمالة الوافدة في معظم القطاعات جدلا واسعا حول جدوى هذه التدابير في تقليص معدلات البطالة بين المواطنين. وبينما تراهن السلطات على هذه الخطوة لفتح افاق جديدة امام الشباب الاردني للاندماج في سوق العمل. يبدي خبراء اقتصاديون حذرهم من ان القرار قد لا يحقق نتائج ملموسة على المدى الطويل ما لم يقترن باصلاحات هيكلية شاملة تعالج بيئة العمل وظروفه.

واعتمدت وزارة العمل هذا الاجراء بعد مراجعة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية حيث تقرر وقف الاستقدام حتى اشعار اخر مع استثناءات محدودة تشمل العمالة المنزلية وقطاع الالبسة وبعض المهن التخصصية التي تفتقر اليها السوق. واكدت الوزارة ان هذا القرار ياتي ضمن مساعيها التنظيمية المستمرة لضبط ايقاع التوظيف بما يخدم المصلحة الوطنية.

وبين الناطق باسم وزارة العمل محمد الزيود ان القرار ليس موجها ضد جنسية معينة بل هو اداة تنظيمية ترتبط بحاجة القطاعات الاقتصادية. واوضح ان التقييمات الاخيرة اظهرت ان السوق وصل الى مرحلة مقبولة من تلبية احتياجاته من العمالة غير الاردنية وهو ما دفع الوزارة لاتخاذ قرار التعليق المؤقت لضمان حماية حقوق العمالة الموجودة حاليا وتجديد تصاريحها بشكل قانوني.

تنظيم سوق العمل وتحديات الاحلال

واظهرت بيانات وزارة العمل وجود مئات الالاف من تصاريح العمل السارية للمغتربين مع بقاء القطاع الزراعي في صدارة القطاعات التي تعتمد على هذه العمالة. واكدت دائرة الاحصاءات العامة انخفاضا طفيفا في معدلات البطالة لتبلغ 16.1 بالمئة خلال الربع الاول من العام الحالي مقارنة بالفترات السابقة.

وشددت الحكومة على ضرورة رفع نسب تشغيل الاردنيين في قطاعات حيوية مثل المقاولات والمطاعم والفنادق والمهن الميكانيكية. واضافت ان التعليمات الجديدة تلزم المنشات برفع نسب العمالة المحلية تدريجيا لتعزيز مشاركتهم الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الخارج في مهن يمكن للايدي العاملة الوطنية شغلها.

واشار الاتحاد العام لنقابات عمال الاردن الى تاييده لهذه الخطوة باعتبارها ضرورة لتنظيم سوق العمل. وقال رئيس الاتحاد خالد الفناطسة ان القرار يتماشى مع الجهود الوطنية لمحاربة ثقافة العيب وتمكين الشباب الاردني من الوصول الى الفرص المتاحة مع ضرورة تكثيف برامج التدريب المهني لرفع كفاءة العامل المحلي.

وجهات نظر اقتصادية متباينة

ويرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية احمد عوض ان القرار يندرج في اطار الاجراءات الدورية المعتادة. واضاف ان الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق الحقيقية تظل العائق الاكبر امام توظيف الاردنيين في العديد من القطاعات التي يفضل اصحاب العمل فيها العمالة الوافدة لاسباب تتعلق بالتكلفة والمهارات.

واكد مدير المركز الاردني لحقوق العمل حمادة ابو نجمة ان الاثر الفعلي للقرار سيكون محدودا ما لم يتم تحسين ظروف العمل وجاذبية الوظائف. واوضح ان تدني الاجور وطول ساعات العمل وضعف الحماية الاجتماعية تجعل من الصعب على الشباب الاردني الاستمرار في بعض المهن حتى في حال غياب المنافسة من العمالة الوافدة.

وبينت الارقام الرسمية ان الوزارة كثفت حملاتها التفتيشية ضد العمالة غير المنظمة والمخالفة. واكدت ان هذه الجهود تاتي بالتوازي مع خطط لضبط سوق العمل الذي يضم ملايين العمال من جنسيات متعددة مما يجعله تحديا اقتصاديا واجتماعيا يتطلب مقاربة اكثر شمولية من مجرد وقف الاستقدام.

مستقبل البطالة في الاردن

واشار الخبير الاقتصادي حسام عايش الى ان قرارات وقف الاستقدام ليست بالجديدة ولكنها تاتي هذه المرة في ظل مؤشرات بطالة مقلقة. واضاف ان الفارق بين معدلات البطالة بين الاردنيين والعمالة الوافدة يعكس خللا بنيويا يتطلب سياسات اقتصادية محفزة للاستثمار المنتج بدلا من الاعتماد على القرارات الادارية فقط.

واكد عايش ان نجاح هذه السياسات يقاس بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف لائقة ومستقرة تستوعب مئات الالاف من الخريجين سنويا. واضاف ان التحدي الحقيقي يكمن في خلق بيئة استثمارية تجذب الشباب نحو المهن التقنية والمهنية وتوفر لهم دخلا كريما يغنيهم عن البحث عن فرص خارج الحدود.

وختاما تبقى الحاجة ماسة الى رؤية وطنية تربط التعليم بالتدريب المهني وتضمن عدالة الاجور. واكد المراقبون ان وقف الاستقدام قد يكون خطوة اولية ضرورية لكنها تظل غير كافية ما لم تتبعها خطوات حقيقية لتعزيز الانتاجية وتطوير بيئة العمل الوطنية لتصبح الخيار الاول والافضل للشباب الاردني.