كثيرا ما ننشغل بلوم الاخرين على تقلبهم او ابتعادهم المفاجئ عن حياتنا، متناسين اننا قد نكون نحن المصدر الحقيقي لهذا التوتر العاطفي. كشفت العديد من الدراسات النفسية ان بعض السلوكيات غير الواعية التي نمارسها يوميا تدفع اقرب الناس الينا للانسحاب تدريجيا، دون ان يصارحونا بالسبب الحقيقي وراء ذلك. وتظهر الابحاث ان العلاقات الاجتماعية السليمة هي المحرك الاساسي للسعادة والصحة النفسية، لذا من الضروري مراجعة تصرفاتنا قبل ان نجد انفسنا وحيدين.

واوضحت الخبيرة النفسية اندريا بونيور ان الكثير من الصداقات تنهار نتيجة تراكم ضغوط عاطفية بسيطة ناتجة عن تصرفاتنا، مؤكدة ان الاعتراف بالخطا هو الخطوة الاولى لاصلاح ما يمكن اصلاحه. وبينت ان الكثير من الناس يغفلون عن دورهم في تدهور علاقاتهم، معتقدين ان الطرف الاخر هو من تغير، بينما الواقع يشير الى ان سلوكياتنا هي التي غيرت طبيعة العلاقة.

واضافت ان الوعي الذاتي هو المفتاح لتجنب خسارة الاصدقاء، مشددة على اهمية التوقف امام العلامات التي سنستعرضها في هذا المقال لتقييم علاقتنا بالاخرين بشكل موضوعي ومهني.

سلوكيات نفعية تقضي على الصداقة

وكشفت مهزاد حجة، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي، ان التعامل مع الصديق كخدمة طوارئ يجعله يبتعد بمرور الوقت، موضحة ان النفعية في الصداقة تعد من اكثر الاسباب شيوعا لانتهاء العلاقات بين البالغين. واكدت ان التساؤل بصدق عن عدد المرات التي تواصلنا فيها مع الاخرين دون مصلحة شخصية يكشف الكثير عن طبيعة علاقتنا بهم.

وبينت ان الكثيرين يقعون في فخ عدم المبادرة، حيث يكتفون بدور المتلقي للدعوات دون تقديم اي خطوة ايجابية، مشيرة الى ان هذا النمط يرسل رسالة سلبية للطرف الاخر مفادها انه اقل اهمية. واضافت انه حتى في حال وجود ظروف تمنع الاستضافة، يمكن للمرء المبادرة باقتراح لقاءات بسيطة في اماكن عامة لتاكيد ان العلاقة متبادلة.

وتابعت ان النرجسية الحوارية تعد من اخطر الافات الاجتماعية، حيث يميل البعض لجعل كل حديث يدور حول مشاكلهم وانجازاتهم الشخصية، مؤكدة ان تحليل ما بعد المحادثة يساعد الفرد على ادراك ما اذا كان يسيطر على الحديث او يقاطع الاخرين دون وعي.

تقلب الالتزامات واثرها على الثقة

واكدت ميريام كيرماير ان تقلب المزاج في الالتزام بالمواعيد ينسف الشعور بالامان في العلاقة، موضحة ان الالغاء المتكرر او التاخر في الرد يرسل اشارة واضحة بان الصديق ليس من ضمن الاولويات. وبينت ان الصراحة بشان الضغوط الشخصية افضل بكثير من الصمت او الانسحاب المفاجئ الذي يترك الطرف الاخر في حيرة.

واضافت ان البعض يتعامل مع اصدقائه كمعالجين نفسيين دائمين، وهو ما يثقل كاهل العلاقة، موضحة ان القاعدة الذهبية هي الاستئذان قبل الانفتاح في مواضيع ثقيلة. واكدت ان توزيع عبء الحديث على اكثر من صديق او اللجوء لمختص يحافظ على توازن الصداقة ويحميها من الانهيار.

وشددت على ان الفرح بنجاحات الاخرين هو اختبار حقيقي لمتانة الصداقة، مبينة ان الغيرة الطبيعية لا تبرر ابدا التقليل من انجازات الصديق، فنجاحه لا ينقص من قيمتنا شيئا بل هو مصدر فخر مشترك.

خطورة التجاهل والنميمة

وكشفت ماريسا فرانكو ان استخدام اسلوب التجاهل او الحظر لإنهاء العلاقات يترك جروحا غائرة، موضحة ان المواجهة الصريحة والمحترمة تظل الخيار الانبل لإنهاء اي علاقة. وبينت ان الصمت لا يفسر دائما باللطف بل غالبا ما يترك الطرف الاخر في حالة من التساؤل واللوم الذاتي.

واضافت ان بناء الصداقات على الغيبة وانتقاد الاخرين يعد سلوكا مدمرا، مشيرة الى ان الاصدقاء يدركون بمرور الوقت ان من يغتاب الاخرين امامهم سيغتابهم هم ايضا في مجالس اخرى. واكدت ان هذا السلوك يفقد الصديق الثقة ويجعل الانسحاب منه هو الخيار الاكثر منطقية.

واختتمت بان الصداقة مسؤولية مشتركة، وان التوقف للحظة وسؤال النفس بصدق عما اذا كنا نتصرف كاصدقاء حقيقيين قد يكون هو الفاصل بين الحفاظ على علاقات صحية او فقدانها للابد.