تلقي ظروف الحرب في قطاع غزة بظلالها القاتمة على كافة تفاصيل الحياة اليومية، حيث تعيش الاسواق حالة من الركود غير المسبوق بالتوازي مع انفلات جنوني في اسعار السلع الاساسية وكماليات الاطفال. وتكشف المعطيات الميدانية عن فجوة كبيرة بين القدرة الشرائية المتهالكة للمواطنين وبين التكاليف الباهظة التي فرضها انقطاع سلاسل التوريد وصعوبات النقل، مما جعل الحصول على ابسط الالعاب او المستلزمات الترفيهية امرا يفوق طاقة الاسر النازحة والمكلومة.
واوضح تجار محليون ان المشهد التجاري شهد تحولا دراماتيكيا، حيث تلاشت وفرة البضائع التي كانت تميز الاسواق سابقا، وحلت مكانها ندرة حادة في المعروض دفعت الاسعار للتحليق لمستويات قياسية. وبينوا ان سلعا كانت متاحة بأسعار زهيدة لا تتجاوز عشرة شواكل، باتت تباع اليوم بأسعار مضاعفة تصل إلى خمسين شيكلا، في قفزة سعرية تجاوزت ثلاثمائة بالمئة، وهو ما يضع المواطن المنهك اصلا امام خيارات مستحيلة.
واكد مواطنون ان هذا الغلاء لم يقتصر على السلع الغذائية، بل امتد ليلتهم ذكريات الطفولة، حيث قفزت اسعار الالعاب البسيطة من خمسين شيكلا إلى ما يقارب تسعمائة شيكل، مما جعل شراء هدية صغيرة للطفل حلما بعيد المنال. واضافوا ان الكثير من الاباء اضطروا إلى استعارة الالعاب من الجيران او الاكتفاء ببدائل بدائية لمحاولة تعويض اطفالهم عن فقدان منازلهم ومقتنياتهم التي ابتلعتها نيران القصف.
انعكاسات نفسية واجتماعية قاسية
وكشف اباء عن حجم المرارة التي يشعرون بها جراء العجز عن تلبية ابسط احتياجات ابنائهم، موضحين ان هذا الشعور بالتقصير يولد ضغوطا نفسية مضاعفة تضاف إلى هموم النزوح وفقدان الامان. واكدوا ان الاطفال في القطاع باتوا محرومين من ابسط مظاهر البراءة، حيث تحولت طفولتهم إلى سلسلة من الفقد والانتظار، وسط امنيات جماعية بتوقف الحرب لاستعادة ما تبقى من ملامح الحياة الطبيعية.
واظهرت شهادات انسانية ان المعاناة تتجاوز الالعاب لتصل إلى الاحتياجات الطبية الضرورية، حيث يعاني اطفال مصابون من صعوبة بالغة في توفير مستلزمات طبية خاصة كالأحذية التقويمية التي باتت شبه معدومة في الاسواق. واضاف المتحدثون ان رحلة البحث عن هذه المستلزمات اصبحت اشبه بالمستحيل، مما يفاقم من المعاناة الصحية للأطفال الذين يواجهون تبعات الحرب بأجسادهم الغضة وامكانياتهم المحدودة.
وبين مراقبون ان استمرار هذا الوضع يعني مزيدا من التدهور في الحالة النفسية للاطفال والاباء على حد سواء، مطالبين بضرورة ايجاد حلول لتسهيل دخول المستلزمات الاساسية. واكدوا ان اعادة احياء الاسواق وتوفير السلع بأسعار عادلة يمثل ضرورة ملحة لتخفيف جزء من العبء الملقى على عاتق العائلات التي فقدت كل شيء في خضم هذا النزاع المستمر.
