تتصاعد حدة التوترات في مدينة الخليل عقب تصريحات مثيرة للجدل اطلقها وزير المالية الاسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول الغاء اتفاق الخليل بشكل عملي. وكشفت الخطوات الاخيرة التي اتخذتها سلطات الاحتلال عن سحب صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية ونقلها بالكامل الى الادارة المدنية الاسرائيلية. واظهرت هذه التحركات توجها اسرائيليا لفرض واقع جديد يعيد رسم الخريطة الجغرافية والامنية للمدينة التي ظلت لسنوات طويلة تخضع لترتيبات بروتوكول خاص.
واكد مراقبون ان هذه الاجراءات الميدانية تتجاوز مجرد التعديلات الادارية لتصل الى تقويض الاسس التي قام عليها الاتفاق الموقع عام 1997. وبينما سارعت وزارة الخارجية الاسرائيلية لنفي الغاء الاتفاق رسميا. الا ان الواقع على الارض يشير الى تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني وتكريس السيطرة الكاملة على مناطق واسعة. واوضح محللون ان هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والافعال الميدانية يعكس استراتيجية اوسع تهدف الى تغيير الوضع القانوني للضفة الغربية.
وشددت الهيئات الفلسطينية المختصة على ان هذه القرارات تعد خرقا صارخا للالتزامات الدولية وتنسف فرص الحفاظ على التوازن الهش الذي ارساه البروتوكول. واضافت ان استمرار مصادرة الاراضي وشرعنة البؤر الاستيطانية الجديدة يضع مستقبل المدينة في مهب الريح. واكدت التقارير ان الحكومة الاسرائيلية الحالية تسعى لربط كافة الصلاحيات العمرانية والمدنية بالمركز الاسرائيلي بدلا من السلطة الفلسطينية.
جذور اتفاق الخليل ومساراته
وبدات قصة هذا البروتوكول في اعقاب اتفاقيات اوسلو حيث كان الهدف تنظيم انتشار القوات الاسرائيلية في المدينة. وقال خبراء قانونيون ان الاتفاق قسم الخليل الى منطقتين رئيسيتين هما خ-1 التي تخضع للولاية الفلسطينية وتشكل معظم مساحة المدينة. والمنطقة خ-2 التي تقع تحت السيطرة الامنية الاسرائيلية الكاملة. واضاف ان هذا التقسيم كان يهدف الى خلق توازن بين التواجد الفلسطيني والاحتياجات الامنية الاسرائيلية المرتبطة بالمستوطنين.
وبين البروتوكول في بنوده ان الشرطة الفلسطينية تعمل بحرية في خ-1 ضمن قيود محددة على التسليح والقوام البشري. واوضح ان منطقة خ-2 تضم البلدة القديمة ومحيط الحرم الابراهيمي وهي مناطق شهدت توترات مستمرة منذ ارتكاب مجزرة الحرم عام 1994. واكدت الوثائق التاريخية ان الاتفاق تضمن ايضا اليات دقيقة للتنسيق الامني المشترك لمنع الاحتكاك وضبط النظام العام.
واشار البروتوكول الى ضرورة التزام الجانبين بالمعايير العمرانية والحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة. ووضعت الترتيبات قيودا على ارتفاع المباني الفلسطينية في المناطق المحاذية للمواقع الدينية واليهودية. واكدت بنود الاتفاق ان المسؤولية المدنية عن الخدمات تظل من اختصاص البلدية الفلسطينية باستثناء ما يخص المستوطنين وممتلكاتهم.
تداعيات التحول في السياسة الاسرائيلية
وكشفت التطورات الاخيرة ان سموتريتش يسعى بشكل علني لتعزيز السيادة الاسرائيلية على كافة ارجاء المدينة. واضاف ان تدشين مستوطنات جديدة في محيط الخليل يمثل تقويضا مباشرا للاتفاق الذي كان يمنع مثل هذه الخطوات التوسعية. واوضح ان سحب صلاحيات التخطيط هو ضربة قاصمة للامال في تطوير البنية التحتية الفلسطينية بالمدينة.
وذكرت مصادر محلية ان هذه الخطوة جاءت بالتزامن مع قرارات اخرى تتعلق بتسجيل مساحات شاسعة من اراضي الضفة كأراضي دولة. واضافت ان هذا التوجه يهدف الى فرض امر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلا. واكدت ان التنسيق الامني الذي نص عليه البروتوكول اصبح اليوم يخدم التوسع الاستيطاني اكثر مما يخدم حفظ الامن.
واشار مراقبون الى ان المجتمع الدولي يراقب بقلق هذه التحركات التي تنهي فعليا جوهر الاتفاقيات السابقة. واضاف ان تصريحات المسؤولين الاسرائيليين تفتح الباب امام مرحلة جديدة من الصراع المفتوح على الارض. واكد ان التحدي الاكبر اليوم يكمن في كيفية مواجهة هذه السياسات التي تهدف الى تفتيت التجمعات الفلسطينية بالكامل.
