كشفت الازمات الجيوسياسية الاخيرة عن هشاشة الاقتصاد العراقي الذي وجد نفسه امام تحد وجودي بعد اغلاق مضيق هرمز الذي يعد الشريان الوحيد لصادرات البلاد النفطية. واظهرت البيانات المالية ان اعتماد بغداد الكلي على منفذ بحري واحد ادى الى خسائر فادحة تتجاوز 37 مليار دولار، مما دفع الحكومة الى البحث عن حلول طارئة عبر الاستدانة الداخلية واستنزاف الاحتياطات النقدية لتغطية رواتب الموظفين البالغة نحو 6 مليارات دولار شهريا. واوضحت التقارير ان هذا المأزق لم يكن وليد اللحظة بل هو نتيجة تراكم سنوات من سوء التخطيط والفساد الذي عطل مشاريع استراتيجية كانت ستوفر بدائل امنة لنقل النفط وقت الازمات.

وبين خبراء الطاقة ان الحقول النفطية العراقية تواجه طريقا طويلا للتعافي والعودة الى معدلات انتاجها السابقة التي كانت تتخطى 4 ملايين برميل يوميا. واكد مراقبون ان الحرب كشفت عن انكشاف استراتيجي خطير في بنية التصدير العراقية، حيث تسببت التوترات في تجميد ايرادات النفط التي تشكل العصب الرئيسي للموازنة العامة. واشار المختصون الى ان غياب الرؤية الاستراتيجية في تنويع مسارات التصدير جعل الدولة رهينة للمتغيرات الاقليمية التي تتحكم في الممرات البحرية الحيوية.

تحديات البحث عن بدائل تصديرية

واضاف محللون ان محاولات بغداد لفتح مسارات بديلة عبر تركيا وسوريا والاردن لم تنجح في تعويض النقص الحاد في الصادرات. وذكر متحدثون سابقون في قطاع النفط ان الاعتماد على الصهاريج عبر الاراضي السورية لا يعدو كونه حلا رمزيا لا يسمن ولا يغني من جوع، نظرا لمحدودية الكميات المنقولة وصعوبة العمليات اللوجستية. واكدت المعطيات ان الخطوط البرية القديمة التي كانت تربط العراق بدول الجوار تحتاج الى استثمارات ضخمة وعمليات صيانة معقدة لتعود للعمل، وهو امر غير متاح في المدى القريب بسبب التعقيدات السياسية والامنية.

واشار المتحدثون الى ان مشروع خط انابيب البصرة العقبة كان يمثل طوق نجاة محتملا، الا ان الصراعات السياسية عرقلت تنفيذه لسنوات طويلة. وبينت المؤشرات ان استمرار تعطيل هذا المشروع الاستراتيجي زاد من تكلفة فاتورة الحصار النفطي، مما يضع صناع القرار في بغداد امام ضرورة ملحة لاعادة ترتيب الاولويات بعيدا عن التجاذبات التي تضر بالمصلحة الوطنية العليا.

ارقام صادمة وخسائر اقتصادية فادحة

وكشف مرصد ايكو عراق المختص بالشؤون الاقتصادية عن ارقام مرعبة لحجم النزف المالي الذي تعرضت له الخزينة العامة. واوضح المرصد ان العراق خسر نحو 350 مليون برميل من صادراته النفطية منذ اغلاق المضيق في فبراير الماضي، مما يعادل فرصا بيعية ضائعة تجاوزت قيمتها 37 مليار دولار. واكدت التقارير ان الخسائر الشهرية تصاعدت بشكل مطرد منذ مارس وحتى يونيو، مما يضع الاقتصاد الوطني في مهب الريح. واضاف المرصد ان مشروع الشام الجديد يظل الخيار الامثل لضمان استقرار الصادرات عبر ربط البنية التحتية العراقية بالاسواق الاقليمية، وهو ما يتطلب ارادة سياسية قوية لتجاوز المخاطر الجيوسياسية التي تهدد مستقبل البلاد.