تجاوزت الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة حاجز الالف يوم مخلفة وراءها واقعا جيوسياسيا وديموغرافيا مختلفا تماما عما كان عليه الحال قبل اندلاع المواجهات. ولم تعد الاحداث الجارية مجرد عمليات عسكرية تقليدية بل تحولت الى نهج استراتيجي يهدف الى فرض امر واقع جديد على الارض وتفكيك البنى التحتية والاجتماعية للقطاع بشكل كامل.
واظهرت البيانات الميدانية حجم الكارثة البشرية التي حلت بالسكان حيث تشير التقديرات الى استشهاد عشرات الالاف واصابة مئات الالاف الاخرين وسط نزوح جماعي طال معظم العائلات الفلسطينية. واضافت التقارير ان هذا الواقع المرير تسبب في فقدان الاف الاطفال لذويهم وتدمير النسيج الاسري الذي كان يربط المجتمع الغزي.
وبين الخبراء العسكريون ان الاحتلال تعمد استخدام كميات هائلة من المتفجرات لضرب النظام البيئي والحياتي في القطاع. واكدت الاحصاءات ان الغالبية العظمى من مرافق المياه والكهرباء والمدارس والمؤسسات الصحية تعرضت للدمار الشامل مما جعل اعادة الاعمار تتطلب ميزانيات ضخمة لانتشال القطاع من تحت الصفر.
اعادة هندسة الجغرافيا العسكرية
وكشفت التحليلات الميدانية ان الجيش الاسرائيلي يعمل على توسيع نطاق سيطرته الجغرافية بشكل تدريجي حيث انتقل من السيطرة على مساحات محدودة الى الاستحواذ على اكثر من نصف مساحة القطاع. واوضحت المعطيات ان انشاء نقاط عسكرية ثابتة ومحاور فصل مثل نتساريم يعكس رغبة في عزل المناطق عن بعضها البعض وتأمين حرية حركة القوات المحتلة.
واضاف المحللون ان هذه التحركات تترافق مع ضغوط سياسية ترفض اي مقترحات لهدنة طويلة الامد او تسليم المعابر لادارات مدنية محايدة. واشار المراقبون الى ان الهدف من ذلك هو تعطيل فرص الحل السياسي وتكريس وجود عسكري دائم يمنع اي محاولات لاعادة بناء مؤسسات الدولة في المستقبل.
وشدد الخبراء على ان هذا النمط من العمليات لم يقتصر على غزة بل امتد ليشمل الضفة الغربية عبر توسيع البؤر الاستيطانية وتقطيع اوصال المدن الفلسطينية. واوضحوا ان المخططات الاسرائيلية تسعى لفرض واقع عسكري في وادي الاردن يهدف في جوهره الى انهاء مشروع الدولتين بشكل نهائي.
تمدد العقيدة الامنية اقليميا
واكدت التطورات ان اسرائيل تتبنى عقيدة امنية تقوم على نقل الحرب الى اراضي الخصوم وتوسيع رقعة الاشتباك لتشمل مناطق اقليمية ابعد. وبينت التقارير ان القوات الاسرائيلية استغلت حالة الفوضى لاقتطاع مناطق عازلة في سوريا ولبنان مما يغير توازنات القوى القائمة منذ عقود.
واضاف الخبراء ان الرهان على الحلول الدبلوماسية المؤقتة قد يساهم في اطالة امد الصراع بدلا من انهائه. واكدوا ان المنطقة تتجه نحو مرحلة من عدم الاستقرار الشامل في ظل غياب رؤية واضحة للحل وفشل كافة المبادرات الدولية في كبح جماح التمدد العسكري الاسرائيلي.
