تتجدد التساؤلات العلمية حول ما اذا كان الاجرام سمة فطرية يولد بها الانسان ام انه نتاج تراكمات بيئية واجتماعية معقدة. كشفت دراسات حديثة ان محاولة ربط السلوك الاجرامي بالجينات او بالسمات الجسدية كما كان يروج قديما لم تعد قائمة على اسس علمية صلبة. واظهرت الابحاث ان التنبؤ بمصير الطفل بناء على خلفيته العائلية وحدها هو امر قاصر ولا يحيط بجميع جوانب الظاهرة.
وبين الخبراء ان السلوك المعادي للمجتمع لا ينتج عن جين محدد او موروثات بيولوجية حتمية. واكدت النتائج ان التفاعل بين الفرد ومحيطه يلعب الدور الاكبر في تشكيل سلوكه المستقبلي. واوضح الباحثون ان الجينات قد تزيد من احتمالية معينة ولكنها تظل محدودة الاثر امام قوة الظروف المحيطة.
واضاف المختصون ان هناك فجوة كبيرة بين الاستعداد البيولوجي وبين ارتكاب الفعل الاجرامي الفعلي. وبينت الدراسات ان البيئة التي ينشأ فيها الفرد هي المحرك الاساسي الذي يحدد ما اذا كانت تلك الاستعدادات ستظهر للسطح ام سيتم احتواؤها. واكدت ان السلوك الاجرامي ليس قدرا محتوما بل مسار يمكن تغييره.
تاثير الزمن والظروف التاريخية في تشكيل السلوك
وكشف العالم روبرت سامبسون في ابحاثه الاخيرة ان عامل الزمن يلعب دورا محوريا في تحويل الافراد الى مجرمين. واشار الى ان الجيل الذي يولد فيه الطفل يحدد بشكل كبير فرص تورطه في قضايا جنائية. واكد ان الظروف الاقتصادية والسياسات العامة المتغيرة عبر العقود تجعل من مقارنة الاجيال امرا جوهريا لفهم ظاهرة الجريمة.
وبين سامبسون ان الاعتماد على تحليل السمات الشخصية فقط يغفل المتغيرات التاريخية. واوضح ان الافراد الذين عاشوا في فترات اتسمت بعدم الاستقرار كانوا اكثر عرضة للاعتقال. واضاف ان السياسات العقابية نفسها قد تساهم احيانا في اعادة انتاج الجريمة بدلا من معالجتها.
وشددت الدراسات على ان التفاوت الطبقي والفقر المدقع يعتبران من المحركات الرئيسية للانحراف. واكدت ان غياب الدعم الاجتماعي يترك الافراد في مواجهة مباشرة مع خيارات صعبة. واوضح الباحثون ان التفكك الاسري يضعف قدرة المجتمع على ضبط السلوك الفردي.
عوامل بيئية وبيولوجية تصنع الجاني
وكشفت الابحاث ان التعرض للسموم البيئية مثل الرصاص في مراحل الطفولة المبكرة يرتبط بشكل وثيق بارتفاع معدلات العنف لاحقا. واضافت ان سوء المعاملة والتعرض للعنف في الصغر يحول الطفل من ضحية الى فاعل. واكدت ان التنشئة في بيئات تفتقر للعدالة تزيد من احتمالية اللجوء للسلوك الاجرامي.
وبينت التقارير ان غياب تكافؤ الفرص في التعليم والخدمات الاساسية يساهم في دفع الشباب نحو مسارات غير قانونية. واوضحت ان التفاوت الكبير في توزيع الثروة داخل المجتمعات يرفع من مؤشرات الجريمة بشكل ملحوظ. واكدت ان الاستثمار في الطفولة المبكرة هو المفتاح الحقيقي للوقاية.
واضاف الخبراء ان التدخل المبكر من خلال دعم الاسر وتوفير بيئة تعليمية سليمة يقلل بشكل كبير من احتمالات الانحراف. وشددت على ان تقليل التعرض للعنف والحد من انتشار المخدرات والاسلحة يعد ضرورة مجتمعية. واوضحت ان بناء مهارات الطفل الاجتماعية هو خط الدفاع الاول ضد الجريمة.
