تحول الجميد الاردني من مجرد وسيلة بدائية لحفظ الالبان في البادية الى علامة فارقة تميز المائدة الاردنية وتجسد قيم الكرم والضيافة. وتعد هذه الكرات البيضاء الصلبة التي يطلق عليها الاردنيون لقب الذهب الابيض الركيزة الاساسية لصناعة المنسف الذي بات يمثل الهوية الغذائية الوطنية الاولى في البلاد. وتبرز قرية زحوم في محافظة الكرك كمركز رئيسي لهذا الارث الذي تتناقله الاجيال رغم التطورات التكنولوجية المتسارعة في طرق الانتاج.
واكد محمد مصلح العضايلة وهو صاحب مصنع متخصص في انتاج الجميد ان هذه المهنة تتجاوز كونها مشروعا تجاريا لتصبح جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية المتوارثة. واضاف ان الجميد يظل العنصر الاهم في المناسبات الاجتماعية والوطنية حيث لا تكتمل الولائم الاردنية الا بحضوره كرمز للترابط والتكافل.
وبين العضايلة ان الحفاظ على هذه الحرفة يمثل مسؤولية عائلية ووطنية تهدف الى حماية التراث من الاندثار في ظل تغير انماط الحياة العصرية. واشار الى ان الخبرات المكتسبة عبر السنين هي التي تمنح الجميد الكركي مذاقه المميز الذي يجعله الخيار المفضل لدى المستهلكين داخل وخارج المملكة.
من مؤونة البادية الى ايقونة التراث العالمي
وفرضت قسوة البيئة البادية على السكان قديما ابتكار طرق لحفظ مشتقات الحليب بعيدا عن وسائل التبريد. وادى هذا التحدي الى ابتكار تقنية تجفيف اللبن وتمليحه ليصبح الجميد رفيقا للترحال ومؤونة اساسية لا غنى عنها في المنازل.
واوضح الخبراء ان المنسف الاردني الذي يعتمد بشكل كلي على الجميد قد نجح في حجز مكانة مرموقة على قائمة التراث الثقافي غير المادي في منظمة اليونسكو. واكدوا ان هذا الاعتراف الدولي عزز من قيمة المنتج كعنصر ثقافي واجتماعي يعبر عن خصوصية المجتمع الاردني وعاداته الاصيلة في اكرام الضيف.
واضاف المتابعون ان تحول الجميد من منتج محلي الى رمز عالمي يعكس قدرة الاردنيين على التمسك بجذورهم رغم الانفتاح على العالم. واكدوا ان هذا المكون الغذائي يظل الرابط الاكثر قوة بين الاجيال المتعاقبة والمغتربين الاردنيين الذين يبحثون عن نكهة الوطن في بلاد المهجر.
مراحل التصنيع واسرار الحفاظ على الجودة
وكشفت مراحل الانتاج ان الرحلة تبدأ من حليب الاغنام الطازج الذي يتم تجميعه وتبريده بدقة لضمان اعلى درجات الجودة. واضاف العضايلة ان الحليب يتحول الى رائب ثم يتم خضه بالطرق التقليدية لفصل الزبدة عن اللبن في عملية دقيقة تضمن سلامة المكونات.
واوضح ان اللبن الناتج يخضع لعمليات تعقيم وتصفية من المصل قبل ان يتم عجنه وتشكيله يدويا الى اقراص. واكد ان مرحلة التجفيف الطبيعي التي قد تمتد لعدة اسابيع تعد السر الحقيقي وراء صلابة وقوام الجميد الذي يمنح المنسف قوامة الغني ومذاقه الفريد.
وبين ان عملية استخراج السمن البلدي تعد جزءا مكملا لهذه الصناعة حيث يتم طهيها مع جريش القمح لتقديم منتجات تراثية اضافية مثل القشدة بالجريشة. واكد ان هذه التفاصيل الدقيقة في التصنيع هي التي تجعل المنتج الاردني يتفوق على نظيره في الاسواق الاخرى.
التكنولوجيا تواكب الاصالة في انتاج الذهب الابيض
واظهرت الممارسات الحديثة في المصانع ان استخدام الماكينات ساهم في رفع الطاقة الانتاجية دون المساس بالوصفة التراثية. واضاف العضايلة ان التكنولوجيا لم تغير جوهر المنتج وانما وفرت وسائل اكثر كفاءة للحفاظ على معايير الجودة والنظافة خلال مراحل الانتاج.
واكد ان المستهلك لا يزال يبحث عن الطعم الاصلي الذي يربطه بذكريات الماضي. واشار الى ان المصانع نجحت في الموازنة بين الحداثة والتقليد لضمان استمرارية الطلب على الجميد في مختلف الاسواق العالمية.
وبين ان الطموح الحالي يتجاوز حدود السوق المحلية ليشمل التوسع في التصدير نحو الدول العربية والاسواق الغربية. واكد ان الجميد اصبح سفير المائدة الاردنية في الخارج مما يفتح افاقا جديدة لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الحضور الثقافي للاردن.
