يواجه الاقتصاد الفرنسي تحديات مالية جسيمة تثير قلق المستثمرين والخبراء الماليين في ظل تضخم عبء الدين العام الذي تجاوز حاجز 3.5 تريليون يورو. وتتسارع المخاوف من دخول البلاد في نفق مظلم يعرف بـ كرة الثلج حيث تتجاوز تكاليف خدمة الديون معدلات النمو الاقتصادي مما يضع الحكومة امام ضغوط متزايدة لتنفيذ اصلاحات هيكلية صعبة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية انقسامات حادة.
واكد اقتصاديون ان استمرار الوضع الراهن دون اتخاذ اجراءات تقشفية صارمة قد يدفع بنسبة الدين العام الى مستويات قياسية قد تصل الى 203 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي بحلول العقود المقبلة. واوضح الخبراء ان فرنسا باتت الدولة الوحيدة في منطقة اليورو التي تعجز عن خفض اعباء ديونها من مستويات ذروة الجائحة وهو ما يعكس هشاشة الوضع المالي الحالي امام تقلبات الاسواق العالمية.
وبينت بيانات رسمية ان الدين العام الفرنسي يمثل حاليا نحو 117.5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي مما يجعل البلاد في موقف حرج للغاية. واشار محللون الى ان الحكومة الحالية تجد صعوبة بالغة في تمرير موازنات تضمن الانضباط المالي في ظل برلمان منقسم يرفض اغلب المقترحات التقشفية مما يعمق من ازمة الثقة لدى المؤسسات الدولية.
فاتورة الفوائد وتداعياتها على الموازنة العامة
وكشفت تقارير حديثة ان تكلفة خدمة الدين الفرنسي تلتهم جزءا كبيرا من ميزانية الدولة حيث بلغت العام الماضي نحو 66 مليار يورو مع توقعات بان تتجاوز حاجز 100 مليار يورو في السنوات القادمة. واضاف ديوان المحاسبة الفرنسي ان هذه الفاتورة الضخمة ستصبح قريبا اكبر من مخصصات التعليم والدفاع مما يعني ان الدولة باتت تقترض لسداد فوائد الديون بدلا من تمويل الاستثمارات والتنمية.
واوضحت جهات رقابية ان غياب الفوائض الاولية في الموازنة يضع فرنسا امام خطر الاختناق المالي تحت وطأة الفوائد المتراكمة. وشدد مدققو الحسابات على ان خفض العجز المالي الى حدود 3 بالمئة وفق معايير الاتحاد الاوروبي اصبح ضرورة قصوى لتجنب الانهيار المالي الذي يهدد استقرار ثاني اكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
واشار خبراء في وكالات التصنيف الائتماني الى ان فرنسا ستشهد اعلى زيادة في مدفوعات الفائدة مقارنة ببقية الدول الاوروبية الكبرى. واكدوا ان المستثمرين بدأوا بالفعل في مطالبة بعلاوات مخاطر اعلى للاحتفاظ بالسندات الفرنسية وهو ما يظهر جليا في اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والالمانية الى مستويات قياسية مقلقة.
الدين العام محور الصراع السياسي القادم
واظهرت التطورات الاخيرة ان ملف الدين العام اصبح الورقة الاكثر سخونة في السباق الانتخابي الرئاسي القادم. واضاف مراقبون ان المرشحين للرئاسة يجدون انفسهم مضطرين لتبني برامج اقتصادية تركز على الانضباط المالي لكسب ثقة الاسواق وتجنب تدهور التصنيف الائتماني للبلاد في مرحلة دقيقة من تاريخ فرنسا السياسي.
وذكرت تقارير برلمانية ان هناك مطالبات متزايدة من قوى سياسية مختلفة بضرورة اتخاذ خطوات جريئة لوقف نزيف الموازنة. واوضح وزير المالية ان التعاون بين مختلف التيارات السياسية اصبح واجبا وطنيا لتمرير موازنات واقعية قادرة على مواجهة الازمات الاقتصادية المتوقعة قبل ان تخرج الامور عن السيطرة.
واختتم محللون تحليلاتهم بان تقلبات سوق السندات ستستمر وتتزايد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. واضافوا ان توصيات بعض البنوك الكبرى بتقليص التعرض للديون الفرنسية تعد جرس انذار للحكومة بضرورة التحرك السريع لتقديم خطة انقاذ مالية واضحة المعالم تعيد الاستقرار المالي للبلاد وتنهي حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين.
