تغيب مأساة قطاع غزة عن واجهة الاهتمام الدولي في الوقت الراهن، اذ تتجه انظار العالم نحو التوترات في مناطق اخرى، مما يعطي انطباعا مضللا بان اتفاق وقف اطلاق النار قد انهى الحرب بشكل نهائي. ورغم التوقيع على الاتفاق الذي نص على وقف الهجمات وانسحاب القوات وتسهيل دخول المساعدات، الا ان الواقع الميداني يشير الى استمرار العمليات العسكرية بشكل مختلف واكثر تعقيدا.

واظهرت التطورات الميدانية ان الاحتلال يواصل تنفيذ غارات جوية واغتيالات مركزة تستهدف المدنيين، وهو ما يعيد الى الاذهان صور الحرب المفتوحة. واكدت التقارير الطبية ارتفاع حصيلة الضحايا بشكل يومي، حيث لا تزال الغارات تطال المناطق السكنية وخيام النازحين، مما يفاقم من معاناة السكان الذين يعيشون تحت وطأة قصف مستمر لا يتوقف.

واضافت المصادر الميدانية ان حركة المقاومة الاسلامية حماس وصفت هذه الخروقات بانها جرائم حرب متعمدة وامتداد لسياسة الابادة، داعية الاطراف الضامنة للاتفاق الى التدخل الفوري لوقف هذه الانتهاكات. وارتفعت اعداد الشهداء والمصابين بشكل ملحوظ منذ بدء سريان الهدنة، مما يضع مصداقية الاتفاق الدولي على المحك امام المجتمع الدولي.

استمرار التوسع العسكري الميداني

وبينت الوقائع الميدانية ان الاحتلال يواصل توسيع رقعة سيطرته داخل القطاع، متجاوزا بذلك الخرائط والبنود التي تم الاتفاق عليها سابقا. واوضحت البيانات ان نسبة السيطرة الاسرائيلية ارتفعت بشكل تدريجي لتتجاوز الحدود المتفق عليها، وسط مساعٍ معلنة من حكومة نتنياهو لزيادة هذه المساحة بشكل اكبر في الفترة القادمة.

واكد شهود عيان ان ما يعرف بالخط الاصفر لا يعد حدا ثابتا، حيث يتم نقله باستمرار مع تعزيز السواتر الترابية وانشاء مواقع عسكرية محصنة جديدة. وشدد الخبراء على ان هذه التحركات العسكرية تخلق واقعا جديدا على الارض، حيث يتم التعامل مع اي وجود فلسطيني في المناطق المتاخمة لهذه التحصينات كهدف مشروع للعمليات العسكرية.

واشار المتابعون للشأن الميداني الى ان هذه السياسة تهدف الى فرض امر واقع جغرافي جديد داخل غزة، مما يعيق اي فرص حقيقية لاعادة الاعمار او استقرار حياة المدنيين. وتتزامن هذه التوسعات مع قيود مشددة تفرضها القوات الاسرائيلية على حركة الافراد وتداول البضائع في المناطق التي تعتبرها مناطق عسكرية مغلقة.

ازمة الغذاء وتدهور الخدمات

وكشفت وزارة التنمية الاجتماعية عن تدهور خطير في مستويات الامن الغذائي، نتيجة لتقليص كميات المساعدات التي تدخل الى القطاع بشكل يومي. واوضحت الوزارة ان ما يدخل من شاحنات لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الاساسية للسكان، مما دفع العديد من المطابخ الخيرية الى التوقف عن العمل تماما.

واشار المختصون الى ان هذه الازمة ادت الى تفاقم معدلات سوء التغذية، خاصة بين الاطفال والنساء الحوامل، مما ينذر بكارثة انسانية وشيكة. واكدت التقارير ان الغالبية العظمى من سكان القطاع يعانون الان من انعدام الامن الغذائي الحاد، في ظل ارتفاع جنوني في اسعار المواد الاساسية المتبقية في الاسواق المحلية.

واضافت الجهات الاغاثية ان استمرار منع تدفق المساعدات بالكميات المطلوبة يعد جزءا من استراتيجية الضغط على السكان، مما يجعل من الحياة اليومية في غزة رحلة بحث شاقة عن لقمة العيش. وتطالب المؤسسات الدولية بضرورة فتح المعابر بشكل كامل لضمان وصول الامدادات الطبية والغذائية قبل فوات الاوان.

تعطيل مؤسسات النظام العام

واكد مراقبون ان الاحتلال لا يكتفي بالقصف والتجويع، بل يسعى بشكل ممنهج لضرب البنية الادارية والشرطية التي تحفظ الامن العام داخل غزة. واوضح المحلل السياسي احمد الطناني ان استهداف عناصر الشرطة ومقارها يهدف الى دفع القطاع نحو الفوضى المجتمعية ومنع استعادة مؤسسات الحكم لعملها الطبيعي.

واشار الطناني الى ان هذه الهجمات ليست حوادث عرضية، بل هي رسالة اسرائيلية واضحة تهدف الى اضعاف قدرة الاجهزة الامنية على فرض القانون. وشدد على ان غياب النظام العام يخدم اهداف الاحتلال في تكريس حرية العمل العسكري، مستغلا بذلك انشغال العالم بالازمات الاقليمية المتلاحقة.

وبينت الوقائع ان الفوضى التي يحاول الاحتلال خلقها تزيد من معاناة المدنيين، حيث يجد الناس انفسهم دون حماية او خدمات عامة في ظل الظروف القاسية التي يعيشونها. وتأتي هذه الممارسات في اطار مخطط اكبر يهدف الى تفكيك مقومات الصمود الفلسطيني ومنع اي محاولة لاعادة بناء المؤسسات الوطنية في القطاع.