تتجه انظار الاسواق العالمية اليوم صوب اجتماع البنك المركزي الاوروبي في ظل حالة من الترقب والحذر التي تسيطر على صناع السياسة النقدية. ويواجه المسؤولون معادلة صعبة تتارجح بين تباطؤ معدلات التضخم من جهة وتجدد المخاوف المرتبطة بتقلبات اسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية من جهة اخرى. وتشير التوقعات الاولية الى اتجاه البنك نحو تثبيت اسعار الفائدة في خطوة تهدف الى منح الاقتصاد فرصة لالتقاط الانفاس مع التركيز على الرسائل التي ستطلقها رئيسة البنك كريستين لاغارد بشان مستقبل التحركات في سبتمبر.
واوضحت البيانات الاقتصادية الاخيرة ان منطقة اليورو شهدت تراجعا ملموسا في التضخم العام ليصل الى 2.8 في المائة بينما انخفض التضخم الاساسي الى 2.4 في المائة مما يعزز موقف البنك في التريث. وبينت التحليلات ان هذا التراجع يمنح صانعي السياسة مساحة كافية لمراقبة الاوضاع قبل اتخاذ قرارات جديدة بعد الرفع الاخير الذي اقره البنك في الشهر الماضي. واكد خبراء ان التوجه الحالي يبتعد عن الاستعجال خاصة مع استمرار الغموض الذي يكتنف مسار الاقتصاد العالمي.
واضاف محللون ان الاسواق بدات بالفعل في تسعير احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل بنسبة تصل الى 85 في المائة. وشدد اقتصاديون على ان البنك المركزي الاوروبي يفضل انتظار صدور توقعات اقتصادية جديدة وبيانات محدثة عن النمو والتضخم لضمان دقة القرارات القادمة. واظهرت المعطيات ان اسعار النفط الحالية رغم ارتفاعها تظل تحت مستويات الذروة التي سجلتها في فترات سابقة مما يقلل من حدة الضغوط لاتخاذ خطوات تصعيدية عاجلة.
ملفات الطاقة والسيولة تحت مجهر المركزي
وكشفت نقاشات السوق ان ملف الطاقة لا يزال يمثل مصدر القلق الاكبر للبنك المركزي الاوروبي نظرا لتاثيراته المباشرة على تكاليف الانتاج والخدمات. وبينت دراسات حديثة ان البنك يراقب بحذر ما يعرف بالآثار الثانوية التي قد تنتقل الى الاجور وهو ما يفسر الحذر في اتخاذ قرارات متسرعة. واكدت تقارير اقتصادية ان اجتماع سبتمبر سيكون مفصليا حيث سيعتمد على بيانات الصيف الجاري لتحديد المسار الاستراتيجي للفترة المتبقية من العام.
واوضحت التقارير ان البنك يدرس ايضا تعديلات جوهرية على متطلبات الاحتياطي الالزامي للبنوك بهدف امتصاص فائض السيولة في النظام المالي. واضاف مراقبون ان هذه الخطوة قد تسحب ما يصل الى 170 مليار يورو من السيولة المتاحة في الاسواق. واشار محللون الى ان هذا الاجراء يندرج ضمن جهود البنك لتطبيع السياسة النقدية بشكل تدريجي دون التسبب في صدمات حادة لقطاع التمويل قصير الاجل.
واظهرت التطورات ان مشروع اليورو الرقمي بات يحتل حيزا هاما من اجندة البنك بعد تلقيه دعما سياسيا متزايدا من البرلمان الاوروبي. وبينت التقديرات ان الهدف من هذا المشروع هو تعزيز الاستقلال المالي لاوروبا وتقليل الاعتماد على انظمة الدفع الاجنبية. واكدت مصادر مطلعة ان البنك يخطط لاستكمال الاطار التشريعي قبل نهاية العام الحالي تمهيدا للبدء في البرامج التجريبية العام المقبل.
رسائل لاغارد وتوقعات المرحلة المقبلة
وكشفت مصادر مطلعة ان المؤتمر الصحفي لرئيسة البنك كريستين لاغارد سيكون الحدث الاكثر تاثيرا في الاسواق اليوم. واضافت ان المستثمرين يبحثون عن مؤشرات واضحة حول ما اذا كان رفع الفائدة في سبتمبر سيكون المحطة الاخيرة في دورة التشديد النقدي الحالية. واوضحت ان لاغارد ستحاول الحفاظ على مرونة البنك في مواجهة تقلبات اسعار الطاقة والضغوط التضخمية المستمرة.
وبينت التحليلات ان لهجة البنك ستكون حاسمة في تحديد بوصلة الاستثمارات خلال الاشهر القادمة. واكدت ان التوازن بين كبح التضخم وتجنب الركود الاقتصادي يظل التحدي الاكبر امام صناع القرار في فرانكفورت. واشارت التوقعات الى ان البنك سيتجنب تقديم وعود مسبقة مفضلا ترك الباب مفتوحا لجميع الاحتمالات بناء على البيانات القادمة.
واظهرت متابعات السوق ان الترقب لا يقتصر على اسعار الفائدة فحسب بل يمتد ليشمل كافة ادوات السياسة النقدية المتاحة. واضاف خبراء ان استمرار الضغوط التضخمية قد يفرض سيناريوهات غير متوقعة في حال لم تظهر البيانات تحسنا ملموسا خلال الفترة القادمة. واختتم المحللون بان الانظار ستبقى معلقة على تصريحات لاغارد التي ستحدد ملامح السياسة المالية الاوروبية في المرحلة الحاسمة القادمة.
