تتصاعد المخاوف الفلسطينية بشكل كبير في مدينة نابلس مع تحول قمة جبل عيبال إلى بؤرة استيطانية نشطة بعد أن بدأت آليات الاحتلال بنقل بيوت متنقلة وتجهيز الموقع بالخدمات الأساسية ورفع العلم الإسرائيلي فوقه. يمثل هذا التطور تهديدا مباشرا لخاصرة المدينة الشمالية التي تعد من أهم معالمها التاريخية والجغرافية في ظل خطوات عملية لتثبيت الوجود الاستيطاني في المنطقة بشكل دائم.
وكشفت التحركات الميدانية الأخيرة عن نشاط استيطاني مكثف شمل إيصال التيار الكهربائي للبؤرة المستحدثة وتأهيلها لاستقبال المستوطنين. وأكد رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية يوسي داغان في تصريحات علنية نيته توطين المستوطنين في هذا الموقع الاستراتيجي كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز السيطرة على المرتفعات الحاكمة في شمال الضفة الغربية.
وبينت تقارير ميدانية أن هذه البؤرة تندرج ضمن قائمة من المشاريع الاستيطانية التي أقرها مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر في وقت سابق. وبدأ العمل على تنفيذها فعليا على الأرض لتغيير الواقع الميداني في محيط مدينة نابلس التي تعاني أصلا من تضييق الخناق عليها من عدة جهات.
مخاطر التوسع الاستيطاني على نابلس
وأوضح خبراء في شؤون الاستيطان أن خطورة موقع عيبال تكمن في إشرافه المباشر على مدينة نابلس ومعظم قراها الشمالية والشرقية والجنوبية. وشدد المراقبون على أن هذه البؤرة تعمل كحلقة وصل ضمن سلسلة من المستوطنات التي تهدف إلى حصار المدينة وعزلها عن محيطها الجغرافي بالكامل.
وأضاف الباحثون أن هناك مخاوف حقيقية من توسع هذه النواة الصغيرة لتصبح مستوطنة كبرى تلتهم المزيد من أراضي المواطنين وتصادر مساحات شاسعة من أراضي نابلس وعصيرة الشمالية. وأشاروا إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذا المخطط الهيكلي إلى فرض أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلا.
وأكد الخبراء أن الموقع يكتسب أهمية خاصة كونه أحد أعلى جبلين يحرسان المدينة إلى جانب جبل جرزيم. وأشاروا إلى أن السيطرة عليه تعني التحكم في مفاصل التنقل والحركة بين المدينة والقرى المجاورة لها مما يفاقم الأعباء على السكان الفلسطينيين.
ذرائع دينية لتغيير الواقع الجغرافي
وكشفت مصادر فلسطينية أن الاحتلال يستخدم ذرائع دينية وتلمودية واهية لتبرير السيطرة على الجبل. وأوضحت دائرة السياحة والآثار في نابلس أن المزاعم الإسرائيلية حول وجود مقام ديني تعود لقصص مختلقة. مؤكدة أن تاريخ المكان يعود إلى مذبح كنعاني قديم ولا علاقة له بالرواية الاستيطانية التي تروج لها أوساط الاحتلال.
وبينت التحليلات أن هذه الخرافات ليست إلا غطاء لسياسة التوسع الاستيطاني الهادفة لقطع الطريق أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية في المستقبل. وأضافت أن الاحتلال يستغل هذه الادعاءات لشرعنة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية ومنع الأهالي من الوصول إلى قمة الجبل التي كانت متنفسا تاريخيا للمدينة.
وأكدت هيئات مقاومة الاستيطان أن هذه الممارسات تأتي في سياق مخطط أكبر يهدف لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في شمال الضفة. وشددت على أن الاحتلال دفع بمشاريع عديدة لإنشاء مستوطنات جديدة تلتهم آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين وتغير معالم المنطقة بشكل جذري.
تحديات الصمود والمواجهة
وقال مسؤولون في بلدية نابلس إن رفع العلم الإسرائيلي فوق قمة عيبال يعد تحديا صارخا لحقوق الشعب الفلسطيني. وأضافوا أن هذه الخطوة تمثل اعتداء مباشرا على السيادة الفلسطينية والمكانة التاريخية للمدينة التي ستواصل مقاومة كافة أشكال الاستيطان بكل الوسائل المتاحة.
وأشار مراقبون إلى أن هذه البؤرة تؤثر بشكل مباشر على الرقعة الزراعية وتعرقل حركة المواطنين بين نابلس وقراها. وشددوا على أن سياسة فرض الأمر الواقع التي يتبعها الاحتلال تشكل تهديدا وجوديا للمدينة التي تعاني من ضغوط استيطانية مستمرة منذ عقود.
وأوضحت معطيات المنظمات الحقوقية أن وتيرة الاستيطان تسارعت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة. وبينت أن الاحتلال يسعى لتكريس وجوده الدائم عبر بناء بؤر استيطانية جديدة تهدف إلى تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية وجعل التواصل الجغرافي بين المدن والقرى أمرا مستحيلا.
