كشفت صور حديثة التقطتها الاقمار الصناعية عن تحركات عسكرية مكثفة يقوم بها جيش الاحتلال داخل قطاع غزة، حيث يواصل تشييد ساتر ترابي ضخم يمتد لاكثر من 23 كيلومترا في خطوة تثير مخاوف واسعة من ترسيم حدود امر واقع جديدة تقتطع مساحات شاسعة من اراضي القطاع وتكرس السيطرة الميدانية.
واوضحت البيانات المرصودة ان هذا الحاجز المادي يتم انشاؤه بمحاذاة ما يعرف بالخط الاصفر الذي كان يفترض ان يكون مجرد نقطة تموضع مؤقتة لقوات الاحتلال بموجب اتفاقيات وقف اطلاق النار، الا ان الواقع الميداني يظهر تجريفا واسع النطاق للمناطق السكنية المدمرة لتعزيز هذا الخط وتحويله الى حاجز دائم.
وبينت الصور الفضائية ان وتيرة البناء تسارعت بشكل ملحوظ خلال الاسابيع الاخيرة، حيث امتدت السواتر الترابية لتقطع اوصال المدن والمخيمات، مما يهدد بتقسيم القطاع الى معازل جغرافية يصعب التنقل بينها، وهو ما يفسره مراقبون بانه محاولة لفرض سيطرة عسكرية دائمة على اكثر من نصف مساحة غزة.
تحصينات عسكرية ومخاوف من تقسيم دائم
واكد جيش الاحتلال في تبريراته ان هذه الاعمال تأتي في اطار انشاء منطقة امنية مزودة بتقنيات استخباراتية متطورة لمنع التسلل وحماية قواته، متجاهلا التساؤلات حول المسار النهائي للحاجز ونطاق توسعه الذي يبتلع المزيد من المناطق التي كان يقطنها المدنيون قبل عمليات التدمير الشامل.
واضافت المصادر المتابعة ان عمليات التشييد لم تتوقف عند السواتر الترابية فحسب، بل شملت اقامة شبكات طرق عسكرية وقواعد ثابتة فوق انقاض الاحياء المهدمة، مما يعزز القناعة بان الاحتلال يسعى لترسيخ وجود عسكري طويل الامد يغير الطبوغرافيا الديموغرافية والجغرافية للقطاع.
وشدد خبراء على ان توسيع هذه السواتر لتصل الى مناطق حساسة مثل محيط رفح وبيت لاهيا يعكس استراتيجية ممنهجة لفرض واقع جديد على الارض، في ظل غياب اي افق سياسي او تحرك دولي فاعل لوقف هذه التجاوزات التي تلتهم ما تبقى من اراضي القطاع وتزيد من معاناة النازحين.
تداعيات ميدانية وواقع انساني متدهور
وكشفت التقارير الميدانية عن استمرار عمليات النسف والتدمير للمباني الواقعة خلف الخط الاصفر، مما ادى الى تقلص المساحات المتاحة لسكان القطاع الذين يعيشون في ظروف انسانية كارثية داخل مخيمات نزوح تفتقر لادنى مقومات الحياة، بينما يترقب الجميع مصير هذه المنطقة التي تحولت الى ثكنة عسكرية مغلقة.
واظهرت الاحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة ان الخروقات الميدانية المتواصلة لم تتوقف عند الجانب العمراني، بل اسفرت عن ارتقاء المئات من الشهداء واصابة الالاف خلال فترة التوتر الاخيرة، مما يؤكد ان الساتر الترابي ليس مجرد تحصين امني بل اداة ضغط عسكري وسياسي.
واشار محللون الى ان صمت الجهات الدولية المعنية بمتابعة اتفاقات التهدئة يمنح الاحتلال ضوءا اخضر للاستمرار في مخططاته، مما يضع مستقبل غزة امام تحديات وجودية معقدة تتجاوز مجرد الحرب التقليدية لتصل الى محاولات اعادة رسم الخرائط وفرض الامر الواقع بالقوة.
