يواجه المزارعون الفلسطينيون في محيط قرية كفر مالك شرق رام الله واقعا مريرا بعد سيطرة المستوطنين على اراضيهم الزراعية في منطقة عين سامية. واصبح الوصول الى هذه المنطقة التي تعد شريان الحياة المائي لقرى شرق وشمال المدينة محفوفا بالمخاطر بعد ان تحولت مساحات شاسعة منها الى بؤر استيطانية معزولة عن اصحابها. واظهرت المشاهد الميدانية تحول حقول القمح والمراعي التي كانت عامرة بالحياة الى مساحات قاحلة يمنع الاقتراب منها تحت تهديد السلاح.

واكد منتصر المالكي وهو احد المتضررين ان فقدان هذه الاراضي لم يقتصر على الجانب الزراعي بل امتد ليشمل منظومة اجتماعية واقتصادية كاملة كانت تعتمد على الزراعة والرعي. واضاف ان المنطقة التي كانت تحتضن تجمعات بدوية ومدارس باتت اليوم تحت سيطرة مطلقة لجيش الاحتلال والمستوطنين مما ادى الى تفريغ كامل للوجود الفلسطيني في تلك المناطق الحيوية. وبين ان الضرر لحق بالثروة الحيوانية ايضا بعد حرمان الرعاة من الوصول الى المراعي الطبيعية الممتدة باتجاه الاغوار.

واوضح ان هذه الممارسات الممنهجة تعكس رغبة في عزل التجمعات الفلسطينية وتضييق الخناق عليها من خلال التحكم في اهم مواردها الطبيعية. وشدد على ان عين سامية لم تكن مجرد بقعة ارض بل كانت عماد التنمية في القرى المحيطة قبل ان تتحول الى ارض محرمة على اهلها.

اعتداءات متكررة على البنية التحتية

وتتعرض الابار الستة في عين سامية التي تغذي قرى شرق رام الله لاعتداءات مستمرة تستهدف مرافق المياه وخطوط الكهرباء واللوحات التحكمية. وكشف مدير دائرة العلاقات العامة في مصلحة مياه محافظة القدس فارس المالكي ان الاعتداءات تزايدت بشكل ملحوظ خلال السنوات الاخيرة حيث سجلت اكثر من مئة عملية تخريب استهدفت الطواقم الفنية والبنية التحتية. واشار الى ان هذه الاعمال التخريبية تهدف الى تعطيل ضخ المياه وقطع الخدمة عن عشرات التجمعات الفلسطينية.

واضاف ان الطواقم الفنية تعاني من مخاطر كبيرة اثناء محاولات الاصلاح بسبب وجود البؤر الاستيطانية القريبة التي تشكل تهديدا مباشرا للفرق العاملة. واكد ان اصلاح الاعطال يستغرق ساعات طويلة من العمل الشاق تحت ظروف امنية معقدة لضمان عودة المياه للمواطنين بعد التأكد من سلامتها مخبريا. وبين ان التنسيق مع الجهات الدولية والارتباط الفلسطيني لم ينجح حتى الان في كبح جماح هذه الاعتداءات التي تستهدف الامن المائي الفلسطيني.

واكد ان الخسائر المادية الناتجة عن تخريب الكاميرات وخطوط المياه والكهرباء تقدر بملايين الشواكل مما يفاقم الاعباء المالية على مصلحة المياه. وشدد على ان البدائل الفنية غير متاحة نظرا للطبيعة الجغرافية المعقدة والقيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال على حفر ابار جديدة في المناطق المصنفة ج.

خطر يهدد مئة الف مواطن

وتتسبب هذه الممارسات في انقطاع المياه عن اكثر من مئة الف مواطن يتوزعون في تسعة عشر تجمعا سكانيا في محافظة رام الله. واوضح المالكي ان قائمة المناطق المتضررة تشمل بلدات وقرى مثل سلواد ويبرود والطيبة ودير جرير ومخيم الجلزون وغيرها. واكد ان اعتماد الفلسطينيين على مصادر مياههم الخاصة اصبح هدفا للاحتلال لزيادة تبعيتهم للشركات الاسرائيلية.

واضاف ان الاستثمار في منظومة بديلة يتطلب مبالغ طائلة وسنوات طويلة من العمل وهو امر يصعب تحقيقه في ظل الواقع السياسي الحالي. وبين ان آبار عين سامية تظل هي المصدر الاكثر موثوقية للفلسطينيين رغم كل محاولات التخريب. واكد ان المصلحة تبذل قصارى جهدها للحفاظ على استمرارية الضخ رغم التحديات الجسيمة التي تفرضها سياسة الامر الواقع.

واشار الى ان استراتيجية الاحتلال تقوم على جعل الاعتماد على المياه الموردة من الشركات الاسرائيلية هو الخيار الوحيد امام الفلسطينيين. وشدد على ضرورة التحرك الدولي الجاد لحماية الحقوق المائية الفلسطينية ومنع تحويل المياه الى اداة للضغط السياسي والتهجير.

المياه كأداة للتحكم الاستراتيجي

ويربط الخبير في جمعية الهيدرولوجيين الفلسطينيين عبد الرحمن التميمي بين السيطرة على المياه والفكر الاستيطاني الذي يرى في الموارد الطبيعية وسيلة لتثبيت الوجود. واكد ان اسرائيل اخضعت ادارة المياه للمؤسسة العسكرية منذ عام سبعة وستين مما حول موضوع المياه الى جزء من الامن القومي الاسرائيلي. واضاف ان ضابط المياه اصبح جزءا من الادارة المدنية التابعة للجيش للتحكم في سياسات التوزيع والاستهلاك.

واوضح ان اسرائيل تسيطر حاليا على نحو ثمانين بالمئة من مصادر المياه في الضفة الغربية مما يحصر دور السلطة الفلسطينية في الشراء والتوزيع. وبين ان معظم هذه المصادر تخصص للمستوطنات والتوسع الاستيطاني على حساب القرى الفلسطينية. واكد ان جفاف العديد من الابار الجوفية التاريخية يعود بشكل رئيسي الى حفر الاحتلال لابار عميقة في مناطق الاغوار وعين سامية.

واكد في الختام ان المياه ستظل احدى اهم ساحات الصراع في الضفة الغربية. وشدد على ان الهدف الاسرائيلي الواضح هو دفع الفلسطينيين لترك اراضيهم من خلال تجفيف منابع حياتهم وتحويل المياه الى وسيلة تحكم استراتيجي تخدم التوسع الاستيطاني على حساب الحقوق الفلسطينية.