يواجه رئيس الوزراء البريطاني اندي بيرنهام تحديات اقتصادية متشابكة منذ لحظة تسلمه مهام منصبه حيث يسعى جاهدا لإنعاش النمو الاقتصادي المتباطئ مع التزامه الصارم بخفض مستويات الدين العام المرتفعة. وتظهر الخطوات الاولية التي اتخذها بيرنهام خلال الساعات الاولى لحكومته محاولته الدقيقة للموازنة بين تطلعات الشارع البريطاني وضغوط الاسواق المالية العالمية.

واختار بيرنهام تعيين وزير الدفاع السابق جون هيلي على رأس وزارة الخزانة في خطوة قرأها المحللون كرسالة واضحة للمستثمرين حول جدية الحكومة في ضبط الانفاق العام وتقليص العجز. واعلن رئيس الوزراء عن حزمة اجراءات تخفيفية تشمل الغاء ضريبة استهلاك الكهرباء المنزلية لمدة ستة اشهر بدءا من شهر اكتوبر المقبل بهدف دعم الاسر البريطانية في مواجهة تكاليف المعيشة.

واكدت الحكومة ان تمويل هذه المبادرة الاقتصادية سيتم عبر الغاء مشروع الهوية الرقمية لضمان عدم زيادة الانفاق من مصادر غير مستدامة. وبينت اوساط اقتصادية ان هذه المهمة تعد بالغة التعقيد في ظل الاوضاع المالية الصعبة التي تعيق تنفيذ الخطط الطموحة للحكومة الجديدة.

تحديات هيكلية وازمات مزمنة

ويصطدم بيرنهام بالارث الاقتصادي الثقيل الذي خلفته الازمات المتلاحقة منذ عام 2008 حيث سجل الاقتصاد البريطاني معدلات نمو متواضعة جدا مقارنة بالعقود السابقة. واظهرت البيانات الاخيرة تراجعا في معدلات التضخم لتصل الى 2.6 بالمئة وهو اقل مستوى منذ اكثر من عام بفضل انخفاض اسعار الطاقة والغذاء.

وحذر خبراء من ان هذا التحسن قد يكون هشا ومؤقتا في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الاوسط التي تضغط بقوة على اسعار الطاقة العالمية. واشار محللون الى ان الحكومة بحاجة الى رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول قصيرة المدى لمواجهة ضغوط الدين العام التي تجاوزت 95 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي.

واوضح تقرير لهيئة الرقابة على الموازنة ان مدفوعات فوائد الدين تستنزف جزءا كبيرا من الانفاق الحكومي مما يحد من القدرة على تمويل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم. واضاف التقرير ان الالتزامات الجديدة برفع الانفاق الدفاعي ستشكل عبئا اضافيا كبيرا على الخزينة العامة في السنوات القادمة.

البحث عن مسارات النمو المستدام

ويرى اقتصاديون ان النمو هو المفتاح الوحيد للخروج من هذه الازمة عبر زيادة الايرادات الضريبية دون الحاجة لفرض ضرائب جديدة او تقليص الخدمات العامة. ويركز بيرنهام في رؤيته على اعادة تنشيط الصناعة في المناطق البعيدة عن العاصمة ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعد العمود الفقري للوظائف في البلاد.

وكشفت الحكومة عن التزامها بعدم رفع الضرائب على العمالة مع الحفاظ على نظام المعاشات التقاعدية المسمى بالقفل الثلاثي رغم كلفته المالية العالية. واكد خبراء ضرورة اتخاذ قرارات اكثر جرأة وشجاعة للتعامل مع ملفات الرعاية الاجتماعية ونظام الصحة لضمان استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.

وشدد خبراء ماليون على ان النجاح في هذه المهمة يتطلب واقعية سياسية واقتصادية كبيرة لتجاوز القيود الهيكلية التي تواجه المملكة المتحدة في الوقت الراهن. واختتم المحللون ان المرحلة القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة على الموازنة بين الوفاء بالوعود الانتخابية والالتزام بالانضباط المالي الصارم.