تواجه المصارف الفلسطينية ازمة مصرفية خانقة بعد ان ابلغ بنكا هبوعليم وديسكونت الاسرائيليان المؤسسات المالية الفلسطينية بقرار وقف خدمات المراسلة الحيوية خلال اسابيع قليلة. وتثير هذه الخطوة مخاوف واسعة من عرقلة تمويل الواردات الاساسية من غذاء ووقود وادوية، اضافة الى تعطل تحويل اجور العمال، مما قد يؤدي الى توسع الاقتصاد النقدي غير الرسمي بشكل يهدد استقرار القطاع المالي في الضفة الغربية.
واوضحت مصادر مصرفية ان خمسة بنوك فلسطينية تعتمد بشكل رئيسي على بنك هبوعليم ستفقد قدرتها على الوصول الى هذه الخدمات في منتصف شهر اغسطس الحالي، بينما تواجه البنوك التي تستخدم خدمات بنك ديسكونت موعدا مماثلا في بداية شهر سبتمبر القادم. وبينت هذه المصادر ان هذا القرار يضع النظام المالي الفلسطيني امام تحديات وجودية قد تفصل المصارف الفلسطينية عن منظومة المدفوعات الدولية والاسرائيلية.
وكشفت وزارة المالية الاسرائيلية ان البنكين قاما بابلاغ السلطات المعنية بنيتهما انهاء علاقات المراسلة، مرجعة ذلك الى تزايد المخاطر العامة والمخاوف من تعرض المؤسسات المصرفية الاسرائيلية لدعاوى قضائية دولية. واكدت الوزارة انها تجري مباحثات مستمرة مع البنكين في محاولة للتوصل الى صيغة تضمن استمرار الخدمات المالية بطريقة امنة ومسؤولة مع مراعاة المصالح الامنية والاقتصادية.
تحديات قانونية واقتصادية متصاعدة
وشددت جهات مصرفية اسرائيلية على ان البنوك التجارية لم تعد مستعدة لتحمل المخاطر المرتبطة بالعمليات المصرفية الفلسطينية، مشيرة الى ان الاعفاءات التي كانت تمنحها الحكومة الاسرائيلية دوريا لم تعد كافية لتغطية حجم التهديدات القانونية المحتملة. واضافت ان البنوك تصر على ان تتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن هذه المعاملات بدلا من البنوك التجارية التي اصبحت تخشى الملاحقة القضائية.
واظهرت تقارير دولية سابقة، بما فيها تحذيرات البنك الدولي، ان عدم اليقين المحيط بعلاقات المراسلة يمثل خطرا نظاميا داهما على الاقتصاد الفلسطيني. واوضحت التقارير ان وقف هذه القنوات سيؤدي الى زعزعة الاستقرار في القطاعين المالي والحقيقي، حيث لا تملك البنوك الفلسطينية خيارا اخر للوصول الى نظام المدفوعات الاسرائيلي الذي يعد شريان الحياة للاقتصاد المرتبط بالشيكل.
واكد البنك الدولي في تحليلاته ان اضطراب هذه القنوات سيشل قدرة المصارف على تمويل تدفقات السلع الاساسية، مما يضع المجتمع الفلسطيني امام نقص حاد في المواد الضرورية. واشار الى ان الاعتماد الكلي على البنوك الاسرائيلية كوسطاء لتسوية المدفوعات الرقمية يجعل القطاع المصرفي الفلسطيني رهينة لقرارات هذه البنوك التجارية.
ارث بروتوكول باريس والازمة الحالية
وبينت الدراسات الاقتصادية ان هذا الاعتماد المالي يعود جذوره الى بروتوكول باريس لعام 1994، الذي فرض هيكلا اقتصاديا يربط الاقتصاد الفلسطيني بنظيره الاسرائيلي عبر الشيكل. واوضح الخبراء ان هذا النظام حرم السلطة الفلسطينية من ادوات السياسة النقدية المستقلة، وجعل المعاملات التجارية مع العالم الخارجي تمر حصريا عبر البنوك الاسرائيلية.
واضافت المعطيات ان الوضع تفاقم مع قيام اسرائيل بتجميد تحويل اموال المقاصة منذ عام 2025، مما دفع السلطة الفلسطينية للاقتراض المكثف من البنوك المحلية. واكد محللون ان هذه الازمة المزدوجة، المتمثلة في قطع المراسلة المصرفية وحجز اموال المقاصة، تشكل ضربة قاصمة للمالية العامة والقدرة على دفع رواتب الموظفين الحكوميين.
وكشفت بيانات البنك الدولي عن ترابط خطير بين السلطة والمصارف، حيث بلغ حجم انكشاف القطاع المصرفي على القطاع العام نحو 5.3 مليارات دولار، وهو ما يمثل 42% من اجمالي الائتمان. واشار خبراء الى ان اي انهيار في هذه العلاقة المصرفية قد يؤدي الى تداعيات كارثية تتجاوز التحويلات المالية لتصل الى تهديد استمرارية السلطة الفلسطينية نفسها في تقديم الخدمات العامة.
