شهدت الساحة الاقتصادية العالمية تحركا اميركيا مفاجئا تمثل في فرض ادارة الرئيس دونالد ترمب رسوما جمركية اضافية تراوحت بين 10 و12.5 بالمئة على واردات من اكثر من 60 شريكا تجاريا حول العالم. وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس تزامنا مع انتهاء العمل بالتعريفة الجمركية العالمية المؤقتة، حيث بررت واشنطن قرارها بوجود مخاوف تتعلق بممارسات العمل القسري في سلاسل التوريد الخاصة بتلك الدول. واثارت هذه الاجراءات موجة واسعة من الاستياء الدولي وسط مطالبات بمراجعة هذه القرارات التي يراها الكثير من الشركاء غير مبررة وتفتقر للأساس المنطقي.

وكشفت ردود الفعل الدولية عن حالة من الانقسام بين دول ترفض الاتهامات الاميركية واخرى تحاول احتواء الازمة عبر قنوات الحوار الدبلوماسي والتجاري. واكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كايا كالاس ان مبررات واشنطن لا تنطبق على التكتل الاوروبي نظرا لالتزام دوله بمعايير العمل الدولية، معتبرة ان هذا القرار يمثل مفاجأة سلبية تخالف الاتفاقات المبرمة بين الطرفين. واضافت ان القوانين الاوروبية تضمن حقوق الموظفين وظروف عمل ممتازة مما يجعل الادعاءات الاميركية بلا اساس واقعي.

وبينت دول اخرى مثل النرويج وسويسرا رفضها القاطع لهذه الرسوم، حيث طالبت اوسلو بمعاملة مماثلة للاتحاد الاوروبي، بينما شددت الحكومة السويسرية على ان العمل القسري محظور دستوريا وقانونيا في البلاد. واوضحت جمعية الاعمال السويسرية ان هذه الرسوم ستؤدي الى رفع تكاليف الصادرات وتضع الشركات في وضع تنافسي صعب، مؤكدة ان الادعاءات الاميركية لا تستند الى ادلة ملموسة فيما يخص سلاسل الامداد السويسرية.

تداعيات القرارات الاميركية على النمو الاقتصادي العالمي

واظهر محافظ بنك فرنسا ايمانويل مولان قلقه من ان تساهم هذه التعريفات في زيادة حالة عدم اليقين التي تكتنف الاقتصاد العالمي، مشيرا الى ان هذه الاجراءات لا تصب في مصلحة النمو. واشار الى ان الاتفاقيات السابقة المبرمة مع واشنطن يجب ان تظل مرجعا اساسيا لتفادي الاضرار بالتجارة الدولية. واكد ان استمرار هذا النهج قد يعرقل التعافي الاقتصادي في ظل الظروف الراهنة.

واوضحت الحكومة البرازيلية موقفها الرافض لهذه السياسات واصفة اياها بالتعسفية، معلنة عن نيتها تفعيل اجراءات الرد عبر قانون المعاملة بالمثل واللجوء الى منظمة التجارة العالمية. واضافت برازيليا ان واشنطن تستخدم قضايا حقوق الانسان كغطاء لاجراءات حمائية لا تستند الى قانون محلي كاف. وشددت على ان هذه الخطوات تمثل تصعيدا غير مبرر في العلاقات التجارية بين البلدين.

واكدت بريطانيا من جانبها ان القرار الاميركي لا يترتب عليه تغيير سلبي مباشر على الشركات البريطانية، مع الحفاظ على الاتفاقيات القطاعية القائمة. واضاف متحدث حكومي ان لندن تواصل العمل مع واشنطن لضمان نزاهة سلاسل الامداد، مشيرا الى ان التعاون الثنائي لا يزال قائما ومستمرا. وبينت المكسيك ان تأثير الرسوم سيكون محدودا بسبب الاعفاءات الممنوحة بموجب اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

مستقبل العلاقات التجارية في ظل ضغوط واشنطن

وكشفت وزيرة التجارة الفلبينية كريستينا روكي عن توجه بلادها لمواصلة الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، مع التركيز على أهمية قطاعي الالكترونيات واشباه الموصلات في تعزيز سلاسل الامداد الاميركية. واضافت ان مانيلا تطبق معايير صارمة تتماشى مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية لضمان استقرار العلاقات التجارية. واكدت ان الحوار يظل السبيل الامثل لحماية المصالح الوطنية وضمان استمرار تدفق الصادرات.

واشار رئيس الوزراء الماليزي انور ابراهيم الى ان كوالالمبور ستواصل المفاوضات لحماية مصالحها الوطنية رغم شعورها بارتياح نسبي لكون الرسوم المفروضة اقل مما واجهته دول اخرى. واضاف ان الحكومة الماليزية ستثير المسألة مجددا اذا لم تتلق ردا مرضيا من واشنطن خلال جولات المباحثات القادمة. وشدد على ان بلاده تضع حماية اقتصادها في صدارة اولوياتها في التعامل مع السياسات التجارية الاميركية الجديدة.

واوضحت التطورات الاخيرة ان العالم يقف امام مرحلة جديدة من التحديات التجارية التي تفرضها الادارة الاميركية تحت ذريعة مكافحة العمل القسري. وتنتظر الاسواق العالمية ما ستؤول اليه المفاوضات الثنائية والجماعية بين واشنطن وشركائها، وسط مخاوف من ان تؤدي هذه الرسوم الى حرب تجارية طويلة الامد. واكد الخبراء ان استمرار حالة عدم اليقين قد يغير من خارطة التجارة الدولية في المستقبل القريب.