يواجه الاقتصاد العالمي تحديات اقتصادية بالغة التعقيد في ظل عودة شبح الركود التضخمي للظهور مجددا مع ارتفاع اسعار النفط لتلامس حاجز المائة دولار للبرميل. وتتزامن هذه القفزة السعرية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الاوسط التي تعد ركيزة اساسية لامدادات الطاقة العالمية. واظهرت المؤشرات الاقتصادية الاخيرة تزايد المخاوف لدى المستثمرين من تكرار سيناريو يجمع بين تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي واستمرار معدلات التضخم المرتفعة وهو ما يضع صناع السياسات المالية امام اختبار صعب للغاية.
واضاف المحللون ان الاسواق كانت تعول في وقت سابق على تحسن نسبي في الامدادات الا ان اضطرابات الملاحة في البحر الاحمر وتجدد المواجهات اعادا الاسعار الى مستويات قياسية. واكدت التقارير ان ارتفاع اسعار الطاقة لم يتوقف عند النفط بل امتد ليشمل الغاز الطبيعي الذي سجل مستويات قياسية جديدة مما يضع القارة الاوروبية تحت ضغوط اقتصادية اضافية نظرا لاعتمادها الكبير على الواردات الخارجية.
وبين الخبراء ان المشهد يزداد قتامة مع اتساع نطاق الحروب التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى بعد فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات. واوضحوا ان هذه الاجراءات تفرض ضغوطا اضافية على سلاسل التوريد والاسعار النهائية للمستهلكين والشركات التي تعاني اصلا من تكاليف التمويل المرتفعة.
تحديات البنوك المركزية في مواجهة التضخم
وشدد خبراء الاقتصاد على ان مخاطر الركود التضخمي اصبحت تهديدا واقعيا يتطلب تحركات حذرة من البنوك المركزية حول العالم. واشاروا الى ان الطاقة تظل المحرك الرئيسي لتوقعات التضخم على المدى القصير نظرا لانعكاس اسعار النفط السريع على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء مما يؤثر بشكل مباشر على السلع الاساسية.
واكدت البيانات ان ارتفاع عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة واوروبا واليابان يعكس قلق الاسواق من استمرار الضغوط التضخمية لفترة اطول مما كان متوقعا. واوضحت التقديرات ان البنوك المركزية قد تضطر الى تشديد سياساتها النقدية عبر رفع اسعار الفائدة وهو ما قد يؤدي الى ابطاء حركة الاستثمار والاستهلاك بشكل اكبر.
وكشفت التوقعات ان الاقتصادات الناشئة والاسيوية هي الاكثر عرضة لهذه المخاطر نظرا لمحدودية قدرتها على تحمل صدمات اسعار الطاقة والغذاء العالمية. واضاف التقرير ان حتى الولايات المتحدة التي تعد منتجا للطاقة ليست بمنأى عن هذه التداعيات حيث اثر ارتفاع تكاليف الوقود على قطاعات حيوية مثل الطيران والاسكان.
مستقبل النمو العالمي تحت ضغط الازمات
وبينت تقديرات البنك الدولي ان استمرار الصراعات الحالية وارتفاع اسعار الطاقة قد يؤديان الى خفض نمو الاقتصاد العالمي بشكل ملموس خلال الفترة المقبلة. واوضحت ان التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على معدلات النمو اصبح الهدف الاصعب في ظل المعطيات الاقتصادية الراهنة.
واكدت التحليلات ان الاسواق العالمية تدخل مرحلة من عدم اليقين تتطلب تنسيقا دوليا لتجنب الانزلاق نحو ركود طويل الامد. وشدد المراقبون على ان استمرار النفط عند مستويات مرتفعة سيجعل مهمة البنوك المركزية في كبح جماح التضخم دون الاضرار بالنشاط الاقتصادي مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الجيوسياسية المتسارعة.
