ضمن برنامجها الثقافي الهادف إلى دعم الأدباء ومناقشة الأعمال الإبداعية قبل صدورها، عقدت مبادرة نون للكتاب، مساء السبت الموافق 2026/07/25، في مكتبة عبد الحميد شومان بجبل عمّان، جلسة نقدية لمناقشة مخطوط رواية "ردينة" للكاتبة صفاء فارس الطحاينة، بحضور نخبة من الكتّاب والمهتمين بالأدب والرواية.
قدّمت الأمسية الكاتبة روند كفارنة، وقدم القراءة النقدية الدكتور حسن المجالي، فيما أدار الحوار الناقد أسيد الحوتري، وشهدت الجلسة نقاشا معمقا تناول الجوانب الفنية والسردية في الرواية، مع تسليط الضوء على أبرز عناصر القوة والجوانب التي يمكن تطويرها.
استهل الدكتور حسن المجالي القراءة النقدية بالتأكيد على أن الإبداع يسبق القواعد النقدية، وأن قيمة الرواية تكمن في طريقة سردها أكثر من الحكاية نفسها، موضحا أن السرد أداة لإنتاج المعنى وفهم الذات والعالم. ورأى أن المخطوط ينتمي إلى الرواية الشخصية، حيث يتمحور البناء السردي حول شخصية ردينة، مشيدا بعمقها النفسي وببراعة الاستهلال الذي يبدأ باعتراف البطلة بقتل والدتها، لما يخلقه من تشويق يجذب القارئ.
وأشاد المجالي بترابط البناء السردي، والحس الإنساني، وجمالية اللغة، وقدرة الروائية على التصوير الفني، مع توصيته بالتخفف من الوصف والشرح المباشر، وترك مساحة أكبر للقارئ لاستنتاج المعاني وفق مبدأ "أرِ القارئ ولا تخبره" كما دعا إلى تنويع لغة الشخصيات بما ينسجم مع اختلاف وعيها، وتوسيع الفضاء الروائي عبر شخصيات وحكايات فرعية، والتحرر من التعلق الوجداني بالشخصيات، بما يمنح كل شخصية مصيرها الذي يفرضه منطق السرد.
انتقل الحديث بعد ذلك إلى الحضور الذي أشاد باللغة الروائية التي اتسمت بالنضج والجمال والوضوح، مؤكدين نجاح الكاتبة في بناء أجواء نفسية متماسكة، ورسم الشخصيات والمشاهد بلغة رصينة حافظت على مستواها الفني طوال الرواية.
كما أثنى المشاركون على إحكام بناء الحبكة الرئيسة التي تدور حول شخصية ردينة ووالدتها، مشيرين إلى نجاح الكاتبة في توظيف عدد من تقنيات السرد الحديثة، وفي مقدمتها الاسترجاع الزمني، وبناء الغموض، وتأجيل كشف المعلومات، وإيهام القارئ ثم مفاجأته بحقيقة منسجمة مع مجريات الأحداث، وهو ما حافظ على عنصر التشويق حتى الصفحات الأخيرة. واعتبر المشاركون أن هذه الحبكة تمثل الجانب الأقوى في الرواية، لما اتسمت به من قدرة على إدارة المعلومات وكسر توقعات القارئ بطريقة فنية.
وفي الجانب النقدي، تناولت المناقشات عددا من الملاحظات التي من شأنها تعزيز البناء الروائي، إذ أشار الحضور إلى أن الوصف في بعض المواضع جاء على حساب حركة السرد، مما أدى إلى إبطاء إيقاع الأحداث، مع الإشارة إلى أن اختصار بعض المقاطع الوصفية قد يسهم في زيادة حيوية النص دون أن يفقده قيمته الجمالية.
كما لفت المشاركون إلى تفاوت مستوى الحبكات الفرعية مقارنة بالحبكة الرئيسة، موضحين أن بعض المسارات السردية، مثل علاقة ردينة بغدير وخالد، وعلاقة المحقق علاء بأسرته، وعدد من القضايا الاجتماعية التي تناولتها الرواية، كان يمكن أن تحظى ببناء أكثر عمقا وتشويقا، عبر توظيف الغموض، وتأجيل الإجابات، والتلميح بدلا من التصريح، بما يمنح كل حبكة فرعية استقلاليتها الفنية.
كما ناقش المشاركون الجانب الإجرائي المتعلق بالتحقيق في الجريمة، وأشاروا إلى أن بعض الإجراءات التي أعقبت اعتراف البطلة لا تنسجم تماما مع الإجراءات القانونية المتبعة، مثل الحبس الأولي، والعرض على المدعي العام، واستكمال جمع الأدلة، معتبرين أن مراجعة هذه التفاصيل أو توضيح سبب عدم توقيف ردينة ستزيد من واقعية البناء الروائي.
وفي ختام الأمسية، أعربت صفاء الطحاينة عن شكرها للملاحظات النقدية التي طُرحت خلال الجلسة، مؤكدة أهميتها في تطوير العمل قبل صدوره. كما وجّهت مبادرة نون للكتاب الشكر إلى مكتبة عبد الحميد شومان على استضافة الفعالية، وشهدت الأمسية تقديم درع تكريمي للكاتبة، وتسليم شهادات تقدير للمشاركين، قبل أن تُختتم بالتقاط الصور التذكارية التي وثقت أجواء اللقاء.
