تتجه جماعة الحوثي في اليمن نحو تصعيد غير مسبوق في عملياتها العسكرية، حيث تفرض الازمات المالية المتلاحقة واقعا جديدا يدفع الجماعة لتبني خيارات اكثر تشددا في البحر الاحمر. وتكشف المعطيات الميدانية ان الجماعة تضاعف من حملات الحشد والتجنيد وتزيد من وتيرة الهجمات، ليس فقط كجزء من اجندتها العسكرية، بل كوسيلة استراتيجية لمحاولة الخروج من طوق العزلة الاقتصادية وتراجع الموارد الحيوية التي كانت تعتمد عليها سابقا.
واضاف خبراء في اقتصاد الحرب ان هذا السلوك يمثل محاولة متعمدة لتوظيف التوتر في الممرات المائية كأداة ضغط لتحسين شروط التفاوض مع الاطراف الاقليمية والدولية. وبينت القراءات التحليلية ان الجماعة تسعى لتحويل قوتها العسكرية الى رصيد سياسي واقتصادي يمكن استثماره في اي تسوية مستقبلية، مما يجعل من التصعيد وسيلة لاعادة انتاج الموارد بدلا من كونه مجرد مواجهة تقليدية.
واكدت مصادر دبلوماسية ان المساعي الجارية في مسقط لاحتواء التوتر تصطدم بتعنت واضح من قبل الحوثيين، حيث تصر الجماعة على طرح مطالب مالية واقتصادية ذات سقف مرتفع. واوضحت ان هذه المطالب تشمل دفع رواتب الموظفين من عائدات النفط والغاز، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرتها، الى جانب الحصول على حصة كبيرة من الموارد الوطنية.
رهان التصعيد واقتصاد الحرب
واوضح الباحث الاكاديمي يوسف شمسان ان التصعيد الخارجي يؤدي وظيفة مزدوجة تخدم مصالح الجماعة في مرحلة التضييق المالي. واشار الى ان هذا التوجه يرفع تكلفة المواجهة على الخصوم، وفي الوقت ذاته يعيد توجيه اهتمام الشارع في مناطق سيطرتها نحو خطاب المظلومية والحصار، مما يساعد في الحفاظ على التماسك الداخلي وتسهيل عمليات التعبئة الاجتماعية تحت ضغط التحديات المعيشية.
وذكرت تقارير دولية ان السياسات الاقتصادية للجماعة، بما فيها ازمة السيولة وتراجع احتياطيات النقد، ادت الى تعميق الضغوط المعيشية على السكان. واضافت ان توسع الجبايات المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي في مناطق سيطرة الحوثيين انعكس سلبا على قدرة الجماعة على ادارة الموارد، مما دفعها للبحث عن مصادر بديلة من خلال الاستفادة من الازمات الاقليمية.
وكشف الباحث الاقتصادي عادل السامعي ان الجماعة فقدت جزءا كبيرا من ايراداتها الجبائية نتيجة افلاس الشركات ونزوح التجار بسبب الرسوم الباهظة. واكد ان تشديد الرقابة البحرية وتفكيك شبكات التهريب الدولية ضاعف من الضغوط المالية، مما جعل الجماعة في حالة بحث دائم عن منافذ جديدة لتمويل انشطتها العسكرية عبر بوابة التصعيد السياسي.
اختناق مالي وتحديات داخلية
وبينت مصادر محلية ان العجز المالي بدأ يلقي بظلاله على الجبهات العسكرية، حيث توقفت الجماعة عن صرف مستحقات المجندين في بعض المناطق لاشهر طويلة. واضافت ان هذا الوضع ادى الى تزايد حالات الفرار من صفوف المقاتلين، فضلا عن اتساع رقعة الخلافات الداخلية حول تقاسم الموارد والجبايات المتبقية بين القيادات الحوثية.
وشدد خبراء على ان الجماعة تحاول اليوم تحويل ادوات الحرب الى اوراق مساومة استراتيجية، حيث لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر مائي، بل اصبح اصلا اقتصاديا تستخدمه الجماعة لتعظيم مكاسبها. واوضحوا ان هذا المسار يعكس محاولة يائسة لتحويل النفوذ العسكري المتهالك الى ترتيبات مؤسسية تضمن بقاء الجماعة ماليا في ظل تزايد الضغوط الدولية وتراجع الدعم الخارجي.
واختتم المحللون بان استمرار التصعيد رغم الضغوط يعكس قناعة حوثية بان التراجع يعني فقدان القدرة على التفاوض، وهو ما يجعل الجماعة متمسكة بخيار التوتر كاستراتيجية وحيدة للبقاء في المشهد اليمني المضطرب.
