لا تزال حالة الترقب والقلق تسيطر على البيوت المصرية مع كل موسم لاعلان نتائج الثانوية العامة، حيث تتحول المنازل الى ساحات من الاحتفال او الحزن العميق فور ظهور الدرجات. وعلى الرغم من الجهود الحكومية المستمرة لتطوير منظومة الامتحانات وتغيير انظمة التقييم، الا ان الصخب الشعبي والاعلامي يظل حاضرا بقوة، مما يعكس عمق الازمة المرتبطة بمفهوم تكافؤ الفرص والثقة في سلامة الاجراءات المتبعة.

وكشف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف عن اعتماد نتيجة الدور الاول لشهادة اتمام الثانوية العامة، حيث سجلت نسبة النجاح في النظام الجديد نحو 75.1 في المئة، بينما وصلت في النظام القديم الى 72.1 في المئة. واثار التوقيت المتأخر لاعلان النتائج حالة من التفاعل الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت الى واجهة لتبادل التهاني او التعبير عن الاحباطات، مما جعل الثانوية العامة تتصدر قائمة الاهتمامات الوطنية.

واظهرت التفاعلات الرقمية حالة من الغضب والاستياء تجاه نتائج بعض اللجان الامتحانية، خاصة في مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية، حيث تداول مستخدمون قوائم تظهر حصول اعداد كبيرة من الطلاب على مجموع يتجاوز 90 في المئة. واكدت هذه الظاهرة تجدد المخاوف من وجود ما يعرف بـ لجان الاكابر، وهي اتهامات تلاحق المنظومة التعليمية في كل عام، مما دفع اولياء الامور للمطالبة بفتح تحقيقات عاجلة لضمان نزاهة التصحيح وحماية حقوق الطلاب المجتهدين.

تحركات برلمانية ومطالبات بالتحقيق

وبين النائب عماد الغنيمي ان الوضع يتطلب وقفة جادة من خلال مطالبته بفتح تحقيق عاجل في نتائج بعض اللجان، مشددا على ضرورة الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص وصون مصداقية الامتحانات. واوضح ان الصمت الرسمي في البداية لا يخدم استقرار العملية التعليمية، داعيا الوزارة الى فحص الشكاوى بدقة واعلان النتائج للرأي العام لقطع الطريق امام الشائعات التي تثير البلبلة.

واشار تامر شوقي، استاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، الى ان حالة الصخب ليست وليدة اللحظة بل هي موروث ثقافي متجذر، حيث اصبحت الثانوية العامة بمثابة البعبع الذي يهدد استقرار الاسرة المصرية. واضاف ان محدودية الفرص في الجامعات الحكومية مقارنة باعداد الطلاب الهائلة تزيد من حدة التوتر، مؤكدا ان الامتحانات التي تتضمن اسئلة فوق مستوى الطالب المتوسط تساهم في مضاعفة مشاعر الخوف والتهويل الاعلامي.

وذكر شوقي ان مسألة الغش الجماعي تظل معضلة يصعب التحقق منها في انظمة الاختيار من متعدد، موضحا ان النظريات التربوية تؤكد استحالة حصول معظم طلاب لجنة واحدة على درجات مرتفعة جدا دون غيرهم، وهو ما يفتح الباب امام التساؤلات حول ضعف الرقابة او وجود تساهل في تطبيق القواعد داخل تلك اللجان.

محاولات التطوير وواقع التحديات

واكدت داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف اولياء امور مصر، ان المشكلة الحقيقية تكمن في اختزال مستقبل الطالب في مجموع كلية بعينها، رغم تغير سوق العمل الذي بات يعتمد على المهارات العملية. واضافت ان الاسر المصرية تعيش ضغوطا نفسية ومادية هائلة، داعية الى تطوير اليات التأمين وزيادة نسبة الاسئلة المقالية التي تقيس الفهم والتحليل لتقليل فرص الغش وضمان عدالة اكبر.

وبينت الوزارة في بياناتها ان عدد المتقدمين للامتحانات هذا العام بلغ نحو 883 الف طالب في النظام الجديد، واكثر من 4 الاف طالب في النظام القديم، مؤكدة سعيها لدمج التكنولوجيا عبر التصحيح الالكتروني والتابلت المدرسي. واوضحت ان التوجه نحو التوسع في الجامعات الاهلية والخاصة يهدف الى استيعاب الاعداد المتزايدة، مع استمرار العمل على تحديث المواصفات الفنية للامتحانات لقياس نواتج التعلم الحقيقية.

وشدد الخبراء على ان الاصلاح التعليمي يتطلب اكثر من مجرد تغيير شكل الامتحان، اذ يجب تعزيز الثقة بين الطالب والمنظومة التعليمية من خلال الشفافية المطلقة في اعلان نتائج التحقيقات. واكدوا ان الطريق نحو القضاء على ظاهرة لجان الاكابر يبدأ من حزم الرقابة وتطوير معايير التقييم لتكون اكثر انصافا، بعيدا عن حالة التوتر التي تسبق وتلي اعلان النتائج كل عام.