يشهد المشهد السياسي في تركيا تحولات دراماتيكية عقب سلسلة من الاستقالات الجماعية التي عصفت بحزب الشعب الجمهوري المعارض، حيث أدى الانقسام الأخير إلى تشكيل كيان سياسي جديد بقيادة أوزغور أوزيل، وذلك على خلفية صراعات قضائية وإدارية معقدة أعادت كمال كليتشدار أوغلو إلى واجهة المشهد الحزبي، مما دفع قواعد الحزب ونخبه إلى إعادة ترتيب أوراقهم بعيدا عن الهيكل التقليدي الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك.
وكشفت التطورات الميدانية عن موجة استقالات واسعة شملت رئيس فرع الحزب في إسطنبول أوزغور تشيليك، بالإضافة إلى العشرات من رؤساء فروع الأحياء والمسؤولين التنفيذيين، ووصلت هذه الموجة إلى البلديات التي تشهد نزوحا جماعيا لنحو 375 رئيس بلدية قرروا الانضمام إلى الحزب الجديد، معتبرين أن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية سياسية مختلفة بعيدة عن هيمنة القيادة السابقة.
واكد أوزغور أوزيل أن حزبه الجديد بدأ بالفعل في استقبال الأعضاء الجدد، مشيرا إلى أن هناك تدفقا مستمرا من الكوادر التي تركت الشعب الجمهوري للبحث عن منصة نضالية أكثر فاعلية، في وقت تشير فيه التقديرات إلى انضمام أعداد كبيرة من نواب البرلمان السابقين إلى هذا التوجه السياسي المستحدث.
تصدع داخلي وجبهات معارضة
وبينت المعطيات الحالية تزايد حدة الانقسام داخل أروقة الشعب الجمهوري، حيث ظهرت جبهة معارضة قوية ترفض أسلوب الإدارة الذي يتبعه كليتشدار أوغلو، مما أدى إلى تراجع ترتيب الحزب في البرلمان ليصبح الخامس من حيث القوة العددية، وسط اتهامات صريحة بممارسة الاحتكار السياسي وتهميش الإرادة الحرة للنواب.
وشدد النائب غورسال ايرول على أن العمل الحزبي يعاني من أزمة احتكار واضحة، مستنكرا الضغوط التي تمارس على النواب خلال عمليات التصويت الداخلية، بينما أعرب النائب علي أوزتونتش عن استيائه من تعامل البعض مع الحزب كملكية خاصة، مؤكدا أن قوة الشعب الجمهوري الحقيقية تكمن في تعدديته وديمقراطيته التي تضررت بفعل الإجراءات القضائية الأخيرة.
واوضح مراقبون أن فشل مساعي الوساطة بين أوزيل وكليتشدار أوغلو كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، خاصة بعد رفض عقد مؤتمر عام استثنائي لتصحيح المسار الحزبي، مما دفع النواب المعارضين إلى التصعيد والمطالبة بتغييرات جذرية تعيد للحزب هويته التعددية المفقودة.
ضغوط خارجية وملاحقات قضائية
وكشفت الأحداث الأخيرة عن ضغوط متزايدة تواجهها البلديات المحسوبة على المعارضة، حيث اعتقلت السلطات التركية رئيسة بلدية أوسكدار سينام ديديطاش ومجموعة من مسؤوليها بتهم تتعلق بمخالفات إدارية، في خطوة اعتبرها مراقبون حلقة جديدة ضمن حملة تستهدف تحجيم نفوذ المعارضة بعد نجاحاتها الانتخابية الأخيرة.
واضاف جوكهان غونايدين نائب رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الجديد أن التوقيت والممارسات القضائية تثير تساؤلات حول حيادية الإجراءات، موضحا أن هناك استهدافا ممنهجا للبلديات التي يديرها المعارضون، في حين تغيب الرقابة عن البلديات التابعة للحزب الحاكم، مما يعزز من قناعة القوى المعارضة بضرورة التوحد تحت لواء جديد لمواجهة التحديات السياسية والقانونية القادمة.
وختاما تستمر حالة الترقب في الشارع التركي لمعرفة مآلات هذا الصراع الحزبي، ومدى قدرة الحزب الجديد على استقطاب القواعد الشعبية المتذمرة، في ظل مشهد سياسي يزداد تعقيدا مع كل يوم يمر على تفكك أقدم الأحزاب التركية.
