تتجه هيئة الدواء المصرية نحو اعتماد آلية تقنية جديدة لتسعير المستحضرات الدوائية، تعتمد على استبدال السعر المطبوع على العبوات برمز الاستجابة السريع المعروف بـ كيو ار كود، وهي خطوة تهدف إلى ميكنة السوق الدوائي وتسهيل عمليات التتبع الرقمي، غير أنها أثارت موجة من القلق لدى قطاع واسع من المرضى الذين يخشون من تداعيات هذا القرار على استقرار الأسعار في ظل المطالبات المستمرة من الشركات بزيادة التكلفة.
واكدت مصادر مطلعة أن تطبيق هذا النظام سيبدأ بشكل تدريجي عبر الشركات المنضمة لمنظومة التتبع الدوائي، حيث يتم الترويج لهذا التوجه كأداة حديثة تسمح للمستهلك بالتحقق من صلاحية الدواء وجودته ومنع تداول المنتجات المغشوشة، بينما يرى مراقبون أن الهدف غير المعلن قد يكون منح الشركات مرونة أكبر في تعديل أسعار منتجاتها بما يتناسب مع تقلبات تكاليف الإنتاج وأسعار الصرف دون الحاجة لتغيير التغليف الخارجي في كل مرة.
واضاف خبراء في قطاع الصناعات الدوائية أن النظام الرقمي الجديد سيوفر بيانات دقيقة حول المنتج، موضحين أن التوجه يتسق مع استراتيجية الدولة للتحول الرقمي في كافة القطاعات، مع التأكيد على أن الدواء سيظل خاضعا للتسعيرة الجبرية التي تقرها الجهات الرقابية ولا يمكن لأي مصنع تجاوز هذه التسعيرة أو التلاعب بها بشكل منفرد.
التتبع الدوائي بين الرقابة والشفافية
وبينت هيئة الدواء المصرية في وقت سابق أن خطة التتبع الدوائي تعد ركيزة أساسية لضبط السوق، حيث تتيح مراقبة العبوات منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها للمريض، مما يقلل من فرص وجود أدوية مهربة أو مقلدة، في حين يرى ممثلو شركات الدواء أن هذه المنظومة تضمن استدامة الصناعة الوطنية في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتضمن استمرار توافر الأصناف الحيوية في الصيدليات.
واشار مسؤولون في شعبة الأدوية إلى أن القرار الوزاري المنظم لتسعير الدواء لا يزال ساريا، موضحين أن التعديلات التي طرأت على الأسعار في الفترة الماضية جاءت نتيجة حتمية لارتفاع تكاليف التشغيل والمواد الخام، مما استدعى وجود آلية أكثر مرونة تمكن الجهات الرقابية من ضبط السوق وضمان عدم حدوث فجوات في التوافر الدوائي.
واوضح مختصون أن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة المواطنين في المناطق النائية والشعبية على التعامل مع التقنيات الرقمية، مشيرين إلى أن حذف السعر المطبوع قد يؤدي إلى ارتباك في التعاملات اليومية داخل الصيدليات وقد يخلق نوعا من عدم الثقة بين الصيدلي والمريض في حال اختلاف السعر المعلن رقميا عن التوقعات.
مخاوف المستهلك وتحديات التطبيق
وكشفت مبادرات أهلية معنية بحقوق المرضى عن مخاوف حقيقية من أن يؤدي غياب السعر عن العبوة إلى تضارب في الأسعار، مطالبين بضرورة الإبقاء على السعر التقليدي كمرجع أساسي بجانب التقنيات الرقمية لضمان حق المريض في الشفافية، مؤكدين أن التطور التقني يجب أن يخدم المريض لا أن يضيف أعباء إضافية عليه.
واكد مديرون في مراكز الحق في الدواء أن الاعتماد الكلي على الكيو ار كود قد يفتح الباب أمام تفاوت الأسعار بين الصيدليات، مشددين على أهمية توفير حملات توعية مكثفة للمواطنين لتعريفهم بكيفية استخدام هذه الوسائل الحديثة قبل تفعيلها بشكل كامل على أرض الواقع، خاصة في ظل وجود بنية تحتية ضخمة تضم آلاف الصيدليات والمصانع التي تتطلب تنظيما دقيقا.
وختاما كشفت البيانات الرسمية عن حجم القطاع الدوائي في مصر الذي يضم مئات المصانع وعشرات الآلاف من الصيدليات، مما يجعل من أي تغيير في سياسات التسعير إجراءً ذا أبعاد اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق، وهو ما يضع هيئة الدواء أمام مسؤولية كبيرة في الموازنة بين مصلحة الشركات لضمان استمرار الإنتاج وبين حماية حقوق المواطنين في الحصول على دواء بأسعار عادلة ومعلومة.
