تتخذ القيادة الصينية مسارا اقتصاديا يتسم بالحذر الشديد في مواجهة مؤشرات التباطؤ التي بدأت تلوح في الافق مؤخرا. واختارت السلطات في بكين الاعتماد على ادوات سياسية تدريجية بدلا من اللجوء الى حزم تحفيز مالية ضخمة قد تؤدي الى تفاقم ازمة الديون المحلية او زيادة الاختلالات في قطاع الانتاج الصناعي. واوضحت التوجهات الرسمية ان التركيز سينصب بشكل اساسي على تسريع وتيرة الانفاق المالي المعتمد مسبقا في الموازنة العامة مع الالتزام بتنفيذ مشروعات البنية التحتية القائمة.
وكشفت البيانات الاقتصادية الاخيرة عن تباطؤ ملحوظ في نمو الاقتصاد الصيني خلال الربع الثاني حيث سجل مستويات هي الاضعف منذ سنوات طويلة. واظهرت هذه الارقام تراجعا دون الحدود الدنيا للمستهدف السنوي الذي وضعته الحكومة ما فرض ضغوطا اضافية على صناع القرار. وبين محللون ان الاداء القوي الذي شهده مطلع العام الحالي يمنح بكين هامشا من المرونة للتحرك بهدوء بعيدا عن الضغط المباشر وغير المدروس على ادوات التحفيز التقليدية.
وقال خبراء اقتصاديون ان الاجتماعات الاخيرة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي لم تسفر عن قرارات بضخ سيولة ضخمة وهو ما يتوافق مع التوقعات السائدة حول رغبة القيادة في وضع حد ادنى للنمو دون الانزلاق نحو موجات انفاق واسعة النطاق. واضاف المحللون ان الاولوية في المرحلة المقبلة ستتركز على تعظيم الاستفادة من الموارد المالية المتاحة فعليا في الموازنة لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام.
تسريع المشروعات الاستراتيجية
واقر المكتب السياسي بوجود تحديات هيكلية تواجه الاقتصاد ودعا الى ضرورة تكثيف الجهود لدعم النشاط الانتاجي. واكدت السلطات ان النهج الحالي يعكس توازنا دقيقا بين الحاجة لدعم النمو في ظل ضعف الاستهلاك وازمة العقارات وبين تجنب السياسات التي قد ترفع مستويات الدين العام بشكل غير مستدام. واشار مراقبون الى ان الصين لا تزال تمتلك هوامش مالية واسعة تمكنها من تحريك عجلة الاقتصاد عبر السندات والإنفاق الموجه.
وبينت تقارير ان التركيز يتجه حاليا نحو مبادرة الشبكات الست التي تشمل قطاعات حيوية كالمياه واللوجستيات وخطوط الانابيب وشبكات الكهرباء والاتصالات ومراكز الحوسبة. واوضحت المصادر ان هذه المشروعات تهدف الى تعزيز الطلب على المواد الخام وتوفير فرص عمل جديدة في المناطق التي تضررت من تراجع القطاع العقاري. واضافت ان هذه الاستثمارات ستخدم اهدافا استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بتحديث البنية الرقمية ودعم الصناعات المتقدمة.
وكشفت التقديرات ان خطط الانفاق الحكومي على هذه المشروعات قد تصل الى ارقام قياسية خلال العام الجاري. وشدد خبراء على ان هذه الخطوة تراهن على دعم الشركات المحلية والحفاظ على نشاط قطاع البناء دون الحاجة الى زيادة كبيرة في الاقتراض الخارجي. واكدت السلطات ان تسريع وتيرة تنفيذ هذه المشروعات سيشكل درعا واقيا للاقتصاد في مواجهة تقلبات الاسواق العالمية خلال الاشهر المقبلة.
معضلة الاستهلاك وضعف الطلب المحلي
واظهرت التحليلات ان ضعف الطلب المحلي يمثل العائق الاكبر امام تعافي الاقتصاد الصيني بشكل كامل. وبينت الارقام ان الاستهلاك المنزلي لا يزال يراوح مكانه رغم قوة الصادرات وهو ما يثير المخاوف حول اعتماد الاقتصاد المفرط على الاسواق الخارجية. واضاف الخبراء ان استثمارات بكين الضخمة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لم تترجم بعد الى تحسن ملموس في دخول الافراد او ثقتهم في الانفاق.
واكدت تقارير اقتصادية ان ارتفاع معدلات الادخار لدى الاسر ناتج عن حالة عدم اليقين في سوق العمل وتراجع الاجور. واوضحت ان عشرات الملايين انتقلوا الى اقتصاد العمل المرن الذي يفتقر الى الامان الوظيفي والتغطية الاجتماعية الكاملة. واضافت ان هذا التوجه يدفع المواطنين الى الحذر المالي الشديد وتأجيل الانفاق الاستهلاكي غير الضروري.
وكشفت المعطيات ان هذه الحلقة المفرغة تؤدي الى ما يعرف بالمنافسة الانكماشية حيث تضطر الشركات لخفض الاسعار للحفاظ على حصتها السوقية. واوضح اقتصاديون ان هذا الصراع بين المصنعين يضغط على الارباح ويؤدي الى تداعيات دولية مع زيادة اعتماد الشركات على تصدير الفائض الى الخارج. واكد المكتب السياسي عزمه على تعزيز الطلب الداخلي وحماية حقوق العمال في القطاعات الجديدة كجزء من خطة الاصلاح الشاملة.
