عاد شبح الانكماش ليخيم من جديد على النشاط الاقتصادي في الصين خلال شهر يوليو الجاري، في مؤشر مقلق يعكس الصعوبات التي يواجهها ثاني أكبر اقتصاد في العالم لاستعادة زخمه المعهود. ورغم استمرار قوة الصادرات وبعض قطاعات التقنية، أظهرت البيانات الرسمية تراجعا جماعيا في أداء المصانع والخدمات، مما يضع صناع القرار في بكين تحت ضغوط متزايدة للإسراع في ضخ حزم مالية قوية قادرة على إنعاش الطلب المحلي ومواجهة التباطؤ المستمر.

واظهرت المؤشرات الصناعية هبوطا لافتا في مديري المشتريات ليصل إلى 49.2 نقطة، وهو مستوى يكسر حاجز النمو المعتاد ويعد الأدنى منذ خمسة أشهر كاملة. وبينت الأرقام أن هذا التراجع جاء مخالفا لتوقعات المحللين الذين كانوا يراهنون على استقرار الأداء عند مستوى الخمسين نقطة، مما يعزز فرضية انتقال التباطؤ من قطاع التصنيع ليشمل الخدمات والإنشاءات التي سجلت بدورها أضعف أداء لها منذ فترة طويلة.

واكد خبراء اقتصاديون أن التباطؤ لم يعد مقتصرا على قطاع واحد، بل امتد ليشمل المؤشر المركب للاقتصاد الصيني، وهو ما يتزامن مع مخاوف من عدم تحقيق المستهدفات الحكومية للنمو السنوي. واضاف المحللون أن ضعف الاستهلاك الداخلي يظل الحلقة الأضعف في المشهد، خاصة مع استمرار أزمة العقارات التي تضغط بقوة على ثقة المستهلكين وأداء سوق العمل بشكل عام.

تحديات النمو وفجوة القطاعات

وكشفت الأرقام أن الطلب الجديد كان الأكثر تضررا في تعاملات يوليو، حيث سجلت الطلبات المحلية والخارجية انخفاضا ملحوظا يعكس حالة من الحذر في الأسواق العالمية والمحلية. واوضحت البيانات أن وتيرة الإنتاج ظلت أعلى من مستوى الطلب الفعلي، مما يؤدي إلى تراكم في المخزونات ويخلق اختلالا هيكليا يحاول الاقتصاد الصيني معالجته منذ عامين دون جدوى حقيقية حتى الآن.

وبينت التحليلات وجود فجوة واسعة بين قطاعات التكنولوجيا المتقدمة التي تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي، وبين الصناعات التقليدية التي تعاني بشدة من ارتفاع التكاليف وتراجع الإنفاق. وشدد المراقبون على أن هذا التباين يخلق ما يشبه اقتصاد السرعتين، حيث تعتمد الشركات المرتبطة بالتقنية على الاستثمارات الخارجية، بينما تئن الشركات المعتمدة على المستهلك الصيني تحت وطأة الضغوط الاقتصادية المتراكمة.

واشار اقتصاديون إلى أن المرحلة القادمة تتطلب تدخلات مالية مباشرة بدلا من الاعتماد على السياسات النقدية التقليدية، وذلك في ظل تعهدات الحكومة الصينية بالتعامل بجدية مع التحديات الراهنة. واوضحوا أن انتظار الأسواق لإجراءات عملية يتزايد يوما بعد يوم، حيث تظل قدرة بكين على استعادة ثقة الأسر والشركات هي المفتاح الحقيقي لتحقيق توازن مستدام في النمو بعيدا عن التقلبات الموسمية.