سجلت اسواق المال الاميركية تحولا لافتا في تعاملاتها الاخيرة حيث شهدت عوائد سندات الخزانة لاجل ثلاثين عاما قفزة نوعية لتصل الى مستويات قياسية لم تلامسها منذ اكثر من عقد ونصف. وجاء هذا الصعود المباغت نتيجة حالة واسعة من الضبابية التي خيمت على المستثمرين عقب تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي لم تقدم خارطة طريق واضحة لمسار السياسة النقدية في المرحلة المقبلة. واظهرت البيانات ان العائد على السندات طويلة الاجل قد لامس عتبة 5.239 بالمئة مما يعكس مخاوف عميقة لدى المتعاملين من تزايد مخاطر التضخم في المستقبل القريب.
واكد المحللون ان موجة البيع المكثفة في سوق السندات جاءت كرد فعل مباشر على قرارات الفيدرالي الاخيرة التي ابقت على اسعار الفائدة دون تغيير رغم وجود انقسام واضح داخل لجنة السوق المفتوحة بشان ضرورة رفعها. واضاف الخبراء ان هذا التحرك في السوق يعكس رغبة المستثمرين في التحوط ضد تقلبات الاسعار وهو ما دفع عوائد السندات للارتفاع بشكل اسرع من التوقعات. وبينت الارقام ان مبادلات التضخم لاجل خمس سنوات قد سجلت اعلى وتيرة صعود يومية لها منذ فترة طويلة لتصل الى مستويات قياسية جديدة.
تداعيات السياسة النقدية على استقرار الاسواق
وكشفت المتابعات ان رئيس الاحتياطي الفيدرالي شدد على التزام البنك المركزي بمستهدفات التضخم البالغة اثنين بالمئة دون ان يكشف عن ادوات محددة للتعامل مع التحديات الراهنة. واوضح المراقبون ان هذا النهج المتشدد في الخطاب دون اتخاذ اجراءات ملموسة قد يؤدي الى تآكل مصداقية البنك المركزي امام الاسواق العالمية. واشار تقرير صدر عن شركة ابحاث اقتصادية الى ان السوق اصبحت تلعب دورا اكثر صرامة في تشديد الاوضاع المالية بدلا من الاعتماد الكلي على قرارات البنك المركزي.
واوضحت التحليلات ان ارتفاع عوائد السندات يمثل في جوهره ضغطا اضافيا على تكاليف الاقتراض وهو ما يغني الفيدرالي عن اتخاذ خطوات رفع الفائدة بشكل مباشر في الوقت الحالي. واضافت المصادر ان هذا الارتفاع قد يمثل ذروة محتملة للعوائد ما لم تتفاقم ضغوط التضخم بشكل يتجاوز تقديرات البنك المركزي. وشدد الخبراء على ان منحنى العائد شهد انحدارا ملحوظا مع زيادة الفجوة بين عوائد السندات قصيرة وطويلة الاجل بشكل دفع المستثمرين لاعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية.
مستقبل الفائدة وتوقعات المستثمرين
وبينت اسواق المال ان احتمالات رفع الفائدة في شهر سبتمبر المقبل باتت تحظى بنسبة قبول تصل الى تسعة وستين بالمئة وفق تقديرات المتداولين. واكد محللو بنوك استثمارية كبرى ان الحاجة لاستعادة الثقة في السياسة النقدية تجعل خيار رفع الفائدة امرا واردا بقوة في الاجتماع المقبل. واضافت التقارير ان التفاعل السياسي مع هذه التحركات الاقتصادية ظل حاضرا حيث اشار مسؤولون سابقون الى تباين الرؤى حول كيفية ادارة تكاليف الاقتراض في ظل مجلس ادارة يميل للتشديد.
وكشفت المتابعة لردود الفعل ان الضغوط السياسية للمطالبة بخفض اسعار الفائدة لا تزال مستمرة من قبل بعض الاطراف المؤثرة التي تسعى لتحفيز النمو الاقتصادي. واوضحت البيانات ان حالة الترقب ستظل سيدة الموقف في وول ستريت حتى تتضح الرؤية بشان الخطوات القادمة للفيدرالي. واختتم المحللون بان التوازن بين السيطرة على التضخم ودعم النمو يمثل المعضلة الكبرى التي تواجه صناع السياسة في واشنطن خلال الفترة الحالية.
