اتخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي قرارا يقضي بتثبيت اسعار الفائدة عند نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، وذلك في خطوة تهدف الى تحقيق التوازن الدقيق بين مؤشرات تراجع اسعار المستهلكين وبين استقرار نفقات الاستهلاك الشخصي وتباطؤ وتيرة التوظيف في السوق الامريكي. ويأتي هذا التوجه في مرحلة دقيقة يسعى فيها البنك المركزي الى التحقق من ان تراجع التضخم الملحوظ مؤخرا يمثل بداية لاتجاه طويل الامد وليس مجرد نتيجة عرضية لهبوط اسعار الطاقة بعد موجة صعود سابقة. واظهرت بيانات رسمية انخفاضا في اسعار المستهلكين بنسبة 0.4% على المستوى الشهري، وهو اكبر تراجع من نوعه منذ عام 2020، مما يعكس تحولا في ديناميكيات السوق الحالية.
مؤشرات التضخم والإنفاق الاستهلاكي
وبينت تقارير حديثة ان تباطؤ التضخم السنوي وصل الى مستوى 3.5%، بينما استقر المؤشر الاساسي الذي يستبعد تكاليف الغذاء والطاقة عند معدلات اقل مما كانت عليه في السابق. واضاف المحللون ان الانخفاض الشهري في التضخم كان مدفوعا بشكل رئيسي بهبوط حاد في اسعار البنزين والطاقة، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الفيدرالي على اعتبار هذه الارقام دليلا قاطعا على انتهاء ضغوط الاسعار. وشدد المسؤولون على ان استمرار ارتفاع اسعار الطاقة مقارنة بالعام الماضي لا يزال يمثل تحديا امام السياسة النقدية التوسعية.
واوضحت بيانات وزارة التجارة ان مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لا يزال يظهر صورة اكثر حذرا، حيث سجل ارتفاعا بنسبة 4.1% على اساس سنوي، وهو ما يتجاوز بوضوح هدف البنك المركزي البالغ 2%. واكدت الارقام ان انفاق المستهلكين شهد نموا ملموسا خلال الفترة الماضية، مما يشير الى ان الاسر الامريكية لا تزال قادرة على دعم النشاط الاقتصادي رغم ارتفاع تكاليف التمويل والاسعار. وبين تقرير السياسة النقدية الاخير ان الاقتصاد الامريكي يتوسع بوتيرة قوية، وان الاستثمار الرأسمالي ونمو الانتاجية يظلان ركائز اساسية في مواجهة صدمات العرض.
سوق العمل وتوازنات المخاطر
واشار مكتب احصاءات العمل الى ان الاقتصاد اضاف عددا محدودا من الوظائف خلال الشهر الماضي، مع تعديل تقديرات الاشهر السابقة بالخفض، مما يعكس حالة من التباطؤ في زخم التوظيف. واظهرت البيانات استقرار معدل البطالة عند 4.2%، مع تراجع طفيف في معدل المشاركة في قوة العمل، وهو ما يعزز وجهة النظر القائلة بعدم وجود حاجة ملحة لرفع الفائدة في الوقت الراهن. واضاف رئيس الفيدرالي كيفن وارش في شهادته امام الكونغرس ان سوق العمل تبدو مستقرة، مؤكدا ان اولوية البنك تظل استعادة استقرار الاسعار ومحاربة التضخم المرتفع.
وكشفت عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك ان ميزان المخاطر اصبح يميل بشكل واضح نحو التضخم، موضحة ان ضغوط الاسعار لم تعد مقتصرة على قطاع الطاقة فحسب بل امتدت لتشمل السلع الاساسية. واكدت ان قرار تثبيت الفائدة يمنح البنك فرصة لمراقبة التطورات عن كثب، مع ابداء استعداد كامل للتدخل في حال لم يواصل التضخم مساره النزولي. وبينت التصريحات ان البنك يراقب بعناية تأثير الرسوم الجمركية وصدمات العرض على الاسعار.
وتابعت الاحداث ان الرئيس الامريكي دونالد ترمب جدد ضغوطه العلنية على البنك المركزي، حيث صرح بان اسعار الفائدة يجب ان تخضع للتخفيض لتكون الادنى في العالم. واضاف ترمب ان الولايات المتحدة بحاجة الى سياسة نقدية اكثر تحفيزا، موجها انتقادات لبعض مسؤولي الفيدرالي بدعوى وجود دوافع سياسية وراء قراراتهم. واكدت هذه الضغوط السياسية تعقيد المشهد امام صناع القرار في الفيدرالي الذين يسعون للحفاظ على استقلالية البنك في ظل تقلبات اقتصادية وتوقعات متضاربة.
