تواصل الصين التمسك بهويتها الاقتصادية القائمة على دعم الصناعات المتقدمة وتكثيف الاستثمارات، وذلك في مواجهة مطالبات غربية ملحة بضرورة التحول نحو تعزيز الاستهلاك المحلي. ويعكس هذا الموقف ثقة متزايدة لدى بكين قبل انطلاق جولات جديدة من المفاوضات التجارية الحاسمة مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.
وتستعد القيادة الصينية بقيادة الرئيس شي جين بينغ لمرحلة جديدة من الحوار مع واشنطن، في وقت منح فيه الاوروبيون مهلة زمنية تنتهي في اكتوبر المقبل لحل النزاعات العالقة. وتتصاعد المخاوف في العواصم الغربية من تضخم الفائض التجاري الصيني، وهو ما دفع المحللين الى ترقب تداعيات هذا التصلب على استقرار الاسواق العالمية.
واضاف الخبراء ان السياسات الصينية الحالية تمنح الافضلية المطلقة للمنتجين على حساب الاسر، الامر الذي يؤدي الى تدفق صادرات منخفضة التكلفة تغرق الاسواق الخارجية وتضعف القدرة التنافسية للشركات في الاقتصادات المنافسة.
استراتيجية بكين في مواجهة الضغوط التجارية
واكد المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني في اجتماعه الاخير التزامه التام بالمسار الاقتصادي المعتمد، مع توجيه الدعم نحو قطاعات حيوية بدلا من ضخ حزم تحفيزية واسعة للاستهلاك كما تطالب الحكومات الغربية. وبينت تقارير رسمية ان بكين تعتبر المطالب الخارجية مجرد مغالطات منطقية تهدف لتقويض نموها الصناعي.
واوضحت وزارة التجارة الصينية في وثيقة حديثة ان الاتهامات المتعلقة بالفائض الصناعي تفتقر الى الاساس وتستند الى دوافع خفية. وشددت المجلة الرسمية للحزب الشيوعي على ان انخفاض الاستهلاك المحلي يعد نتيجة طبيعية لمسار التنمية الذي ركز على الاستثمار والتصنيع طوال عقود.
وذكر المحلل الاقتصادي شو تيانتشن ان بكين تبعث برسالتين واضحتين للعالم، الاولى هي ضرورة تفهم الشركاء لخصوصية النموذج الصيني لتسهيل الحوار، والثانية هي رسم خطوط حمراء واضحة ضد اي اجراءات تمييزية تستهدف شركاتها او منتجاتها في الخارج.
مستقبل النموذج الاقتصادي الصيني بين النمو والقيود
وبين اقتصاديون ان ضعف الطلب الداخلي يجبر الصين على الاعتماد المتزايد على الصادرات للحفاظ على معدلات النمو. وقال المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي ايسوار براساد ان العالم لم يعد يتقبل فكرة ان الصادرات الصينية هي هدية للمستهلكين في ظل اختلال التوازن الداخلي.
واشار المستشار الالماني فريدريش ميرتس الى ان انخفاض قيمة اليوان يمنح الصادرات الصينية ميزة غير عادلة، وهو ما دفع اوروبا للتلويح باجراءات حمائية لحماية صناعاتها. واكدت الخبيرة الاقتصادية اليسيا غارسيا هيريرو ان بكين اصبحت اكثر قدرة على ادارة النزاعات التجارية دون تقديم تنازلات جوهرية مستفيدة من خبراتها السابقة.
وتابعت الصين خطواتها الاصلاحية المحدودة عبر تشديد الرقابة على الانفاق الحكومي المحلي والحد من المنافسة السعرية الضارة. واوضحت تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي ان جزءا كبيرا من مكاسب الشركات الصينية يعود الى الدعم الحكومي، بينما كشفت بيانات معهد ماكينزي ان الصين تواصل اضافة اصول انتاجية بمعدلات تفوق مثيلاتها في الغرب رغم انخفاض العائد على رأس المال.
