يتبنى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش نهجا جديدا يعتمد على منح اسواق السندات دورا محوريا في تحديد تكلفة الاقتراض بدلا من الاعتماد على التوجيهات المسبقة التي ميزت سياسة البنك لسنوات طويلة. واظهر هذا التحول في الاستراتيجية حالة من الترقب لدى المستثمرين الذين باتوا يواجهون صعوبة في قراءة نوايا البنك المركزي تجاه مسار الفائدة. واكد محللون ان هذا الغموض المتعمد يضع الاسواق امام تحديات جديدة تتطلب منهم تقييم البيانات الاقتصادية بمفردهم بعيدا عن الوعود الصريحة التي اعتادوا عليها من صناع السياسة النقدية.

واضاف الخبراء ان اختبار الثقة الحقيقي سيبدأ مع صدور تقرير الوظائف لشهر يوليو الحالي والذي يعد مؤشرا جوهريا على مدى قوة الاقتصاد الامريكي. وشدد وارش في نهجه الاخير على ان قرارات الفيدرالي يجب ان تستند الى الوقائع الاقتصادية المسجلة وليس على التوقعات المستقبلية التي قد تخطئ في تقديراتها. وبين مراقبون ان هذا التوجه يهدف الى دفع السوق لتحمل مسؤولية تسعير المخاطر بدلا من انتظار اشارات مباشرة من البنك المركزي.

واشار مستثمرون الى ان غياب التوجيهات الواضحة تسبب في تقلبات ملحوظة في عوائد سندات الخزانة الامريكية التي سجلت مستويات قياسية لم تشهدها منذ سنوات. واوضح تقرير صادر عن خبراء ماليين ان اسعار النفط وتطورات الاوضاع الجيوسياسية زادت من تعقيد المشهد وضاعفت من تساؤلات السوق حول مدى حزم وارش في مواجهة التضخم. واكد بيل كامبل مدير المحافظ في شركة دبل لاين كابيتال ان هناك فجوة واضحة بين تطلعات وارش وبين ما تحتاجه الاسواق من وضوح للرؤية.

ابعاد استراتيجية تقليص التوجيهات المستقبلية

وبين المحللون ان التوجيه المستقبلي كان اداة اساسية استخدمها الفيدرالي منذ عام 2008 للسيطرة على تكاليف الاقتراض. واضاف كريس لو كبير الاقتصاديين في اف اتش ان فاينانشال ان هذه الممارسة ترسخت في عهد جيروم باول لكنها قد تقيد حركة البنك عند الحاجة لاتخاذ اجراءات سريعة. واوضح ان التركيز المفرط على مخطط النقاط الخاص بالفيدرالي غالبا ما يؤدي الى نتائج مضللة مع تغير البيانات الاقتصادية بشكل مستمر.

وكشف توماس اورانو الرئيس التنفيذي المشارك للاستثمار في سيج ادفايزوري ان الهدف من هذا التراجع عن التوجيه هو اشراك السوق في عملية صناعة القرار. واكد روبرت تيب كبير استراتيجيي الاستثمار لدى بي جي اي ام ان هذا النهج يجبر المستثمرين على تسعير المخاطر بانفسهم بشكل اكثر دقة. وبين تيب ان المرحلة الحالية تتطلب قدرا اكبر من التكلفة والغموض لضمان فعالية السياسة النقدية في ظل ارتفاع معدلات التضخم.

واوضح لو ان نجاح هذه الاستراتيجية لا يزال محل نقاش خاصة مع اقتراب التضخم من مستوى 4 في المائة وهو ما يرفع سقف الانتقادات الموجهة لنهج وارش. واضاف ان السوق تطالب بعلاوة مقابل تحمل هذا الغموض وهو ما يظهر جليا في ارتفاع اسعار الفائدة. وبين لوي بريان استراتيجي الاسواق في دي ار دبليو تريدينغ ان تأثير الفيدرالي يظل حاضرا في الاسواق حتى في ظل الصمت والغموض الذي يفرضه وارش على توجهاته المستقبلية.

مستقبل السياسة النقدية في عصر البيانات

واكد غينادي غولدبرغ رئيس استراتيجية اسعار الفائدة لدى تي دي سيكيوريتيز اننا نعيش حاليا في حقبة التوجيه المشروط التي تعتمد كليا على البيانات الاقتصادية الواردة. واضاف ان وارش هو المسؤول الوحيد الذي يلتزم الصمت التام بينما تستمر اصوات اخرى داخل الفيدرالي في تقديم وجهات نظرها. وبين كامبل ان المعضلة تكمن في ان السوق تحاول استنتاج آلية استجابة وارش للبيانات بينما يريد هو ان تكون الاسواق هي المحرك الاساسي لمسار الفائدة.

واشار مراقبون الى ان وارش لم يغلق الباب تماما امام العودة الى التوجيهات التقليدية اذا استدعت الضرورة الاقتصادية ذلك. واوضح لو ان البنك المركزي لا يزال يحتفظ بمرونة كافية لتغيير مساره في حال فشلت الاستراتيجية الحالية في تحقيق التوازن المطلوب. واكدت التطورات الاخيرة ان العلاقة بين الفيدرالي والاسواق دخلت مرحلة جديدة من الاختبار الذي ستحدده الارقام والبيانات في الاشهر المقبلة.