تتصاعد حدة النقاش في الاوساط المغربية حول سياسات تسعير الادوية اذ يجد المواطن نفسه امام معادلة صعبة تجمع بين الرغبة في خفض كلفة العلاج المرتفعة وبين الخوف من اختفاء اصناف حيوية من الرفوف. وتكشف المعطيات الحالية ان الضغوط الاقتصادية المتزايدة تضع قطاع الصيدلة في وضع حرج يهدد استقراره المالي وقدرته على تلبية احتياجات المرضى اليومية.

واكد مهنيون في هذا القطاع ان الحل لا يكمن في خفض عشوائي للاسعار بل في مقاربة شمولية تركز على الادوية الباهظة والمستوردة. واوضحوا ان الادوية ذات التكلفة المنخفضة التي يعتمد عليها عامة الناس اصبحت غير مربحة للشركات مما يهدد بوقف تصنيعها او انسحابها من السوق المغربية بشكل كامل.

واشار خبراء في الميدان الى ان استمرار سياسات التخفيض دون دراسة دقيقة لعواقبها قد يؤدي الى فقدان اصناف اساسية من الصيدليات. وبينوا ان العديد من الشركات بدات بالفعل في تقليص انتاجها للادوية الرخيصة لانها لم تعد تغطي تكاليف الانتاج واللوجستيك مما يفاقم ازمة النقص التي تشتكي منها الصيدليات في مختلف المدن.

تحديات التوازن المالي للصيدليات

واضاف المتخصصون ان اصلاح المنظومة الصحية يتطلب موازنة دقيقة بين جيب المواطن المنهك وبين ديمومة المؤسسات الصيدلانية. وشددوا على ان هامش ربح الصيدلي مرتبط مباشرة بسعر الدواء وبالتالي فان اي تخفيض غير مدروس يقلص مداخيل الصيدليات ويهدد باغلاق العديد منها لا سيما تلك التي تعاني اصلا من صعوبات مالية هيكلية.

وكشفت تقارير مهنية ان نسبة كبيرة من الصيدليات في المملكة تواجه خطر الافلاس الفعلي بسبب الضغوط الاقتصادية. واظهرت المؤشرات ان غياب التوازن في القرارات التنظيمية قد يجعل الصيدليات المغربية تواجه نفس المصير الذي عرفته نظيراتها في بعض الدول الاوروبية التي شهدت موجة اغلاقات واسعة بسبب ضعف المردودية المالية.

واكد مواطنون ان الفجوة بين القدرة الشرائية واسعار الادوية لا تزال شاسعة رغم المحاولات الحكومية السابقة للتخفيض. واشاروا الى ان كلفة العلاج للامراض المزمنة تظل عبئا ثقيلا لا تطاق تكاليفه خاصة عند مقارنتها بالاسعار المتداولة في اسواق اقليمية ودولية مجاورة للمغرب.

شهادات حية ومعاناة المرضى

وبينت شهادات المرضى ان الازمة تتجاوز مجرد السعر لتصل الى حد الندرة المطلقة. واوضح احد المواطنين انه اضطر للبحث عن دواء لزوجته في عشرات الصيدليات دون جدوى معتبرا ان الفارق الكبير في السعر بين السوق المحلية والاسواق الاوروبية يمثل لغزا محيرا يثقل كاهل الاسر التي تعاني من امراض خطيرة.

واشار متضررون الى ان المعاناة تتضاعف عندما يضطر المريض لطلب الدواء من الخارج والانتظار لاسابيع. واكدوا ان امراض الروماتيزم والسرطان تتطلب استمرارية في العلاج لا تقبل الانتظار او الانقطاع وهو ما يضع المرضى في وضع انساني صعب يتطلب تدخلا عاجلا من الجهات المعنية لتوفير البدائل.

واضاف مهنيون ان الصيدلي في المغرب ليس هو من يحدد السعر بل هو منفذ لقرارات وزارية مركزية. واوضحوا ان الاسعار موحدة في كامل ربوع المملكة بموجب نصوص قانونية لا تمنح الصيدلي اي هامش للمناورة مما يجعل الشكاوى الشعبية من غلاء الاسعار موجهة لجهة لا تملك سلطة التغيير.

خطوات حكومية نحو الرقمنة

واكدت الحكومة المغربية عزمها على مراجعة نظام تسعير الادوية عبر مراسيم جديدة تهدف لتخفيف العبء المالي على المواطن. واوضحت ان الهدف هو تعزيز استدامة التغطية الصحية وضمان وصول الدواء لمستحقيه ضمن رؤية اصلاحية شاملة للقطاع الصحي.

واضافت المصادر الحكومية انه تم التوجه نحو اعتماد منظومة معلوماتية وطنية مدمجة لرقمنة القطاع. وبينت ان هذا الاجراء سيعزز تبادل البيانات بين مختلف الفاعلين في المنظومة الصحية مما سيساهم في تجويد الخدمات وتقليص الهدر وضمان وفرة المخزون الدوائي في المستقبل القريب.

واكد مراقبون ان نجاح هذه الخطوات يظل رهينا بالاشراك الفعلي لجميع المتدخلين في صياغة الحلول. وشددوا على ان التحدي الاكبر يبقى هو الحفاظ على توازن القطاع بما يضمن للمواطن حقه في العلاج وللمؤسسات الصيدلانية حقها في الاستمرار والبقاء كفاعل اساسي في المنظومة الصحية الوطنية.